إذن: فالذين من قبلنا كانوا أكثر حضارة وأكثر أموالاً وأولاداً . ولسائل أن يسأل: كيف تكون لهم كثرة أولاد والعالم يزداد عدداً كل عام ، وكيف تكون لهم كثرة أموال ونحن نكشف كنوز الأرض جيلاً بعد جيل؟ نقول: لا تأخذ الكثرة على أنها كثرة عددية ، بل خذها بنسبتها ؛ لأنك إذا جئت بمائة شخص ووضعتهم في حجرة ، يقال عنهم:"كثير". فإذا أخذت كل واحد منهم ووضعتهم في مكان بعيد عن الآخر يكون العدد قليلاً . وكان العالم في الماضي مسكوناً بأماكن محدودة ، بدليل أننا اكتشفنا قارات وأماكن لم يكن يعرفها أحد .
إذن: فالكثرة هنا بالنسبة للحيز ، وهم فس حيزهم الذي يعيشون فيه كانوا كثرة ، وبالأموال التي كانت بين أيديهم بعددهم المحدود كانوا أكثر منكم أموالاً بعددكم الكبير ، أي أن نصيب الفرد كان أكبر ، وكذلك الأولاد .
ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {فاستمتعوا بِخَلاقِهِمْ} والخلاق هو النصيب الذي يصيب الإنسان من أي نعمة ، ويقول سبحانه: {فَمِنَ الناس مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلاَقٍ} [البقرة: 200]
أي: ليس له في الآخرة نصيب من نعم الله ، فالذين عملوا للدنيا وحدها ولك يكن في بالهم الله ، يأبى عدل الحق سبحانه وتعالى أن يضيع عليهم نتيجة عملهم ، ولذلك فهو يعطيه لهم في الدنيا ، ولكم من يعمل وفي باله الله يعطيه الله من الدنيا ويُوفِّيه أجره في الآخرة .
ولذلك نجد بعضاً من المؤمنين يسألون: كيف يكون الكفار أحسن حالاً من المؤمنين في الحضارة المادية ، ولماذا يأخذ الكفار من خيرات الأرض ما يكفيهم ويزيد ، لدرجة أنهم في بعض البلاد يُلْقون بالفائض في البحر ، بينما تجد المسلمين يعيشون في حضارة مادية محدودة ، ويستوردون ما يأكلون؟