وإن سأل سائل: أين هي حضارة {إِرَمَ ذَاتِ العماد} ؟ نقول له: إنها في وادي الأحقاف والهبّة الواحدة من الرياح في هذا الوادي تستر قافلة بأكملها ؛ أي إذا هبّت ريح ، فإن الرمال لا تداري الطريق وحده ؛ ولكنها تداري القافلة كلها ، فكم عاصفة رملية هبّت على المكان الذي كانت تقطنه {إِرَمَ ذَاتِ العماد} فأخفتْ حضارتهم؟ لا بد إذن من حفريات على مستوى عميق جدّاً لنعثر على تلك الحضارة ؛ لأننا نعلم ونرى أن كل الكشوف الأثرية تحتاج أن نحفر لها ؛ لأن الرمال تتراكم فوق الآثار . بل إننا نرى البيوت القديمة في القرى ، لا بد أن تنزل لها بدرجة أو درجتين لتدخل إليها من الباب ؛ لأن العوامل الطبيعية والرصف وغير ذلك تزيد من علو الطريق . فإذا كان هذا هو عمل الرياح العادية في وقت قصير ، فما بالك بالأعاصير في أزمان طويلة؟
وأنت إذا سافرت وأغلقت نوافذ مسكنك إغلاقاً مُحْكماً ، وعُدْتَ بعد شهر واحد تجد الأثاث مغطى بطبقة من التراب ، فإن غبْتَ عاماً وجدت كمية كثيفة من التراب ، هذا بالنسبة لبيت محكم الإغْلاق ، فما بالك بحضارة معرضة لكل هذه الظواهر الطبيعية ، وتُسْتر كل شهر بطبقة جديدة كثيفة من التراب؟
ويقول سبحانه: {كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً} أي: أن حضارتهم أكبر من حضارتنا ؛ لأن الحضارة كلما كانت متقدمة كانت الأمة قوية ، وكلما تأخر شعب حضاريّاً كان ضعيفاً .