58 -ثم شرع سبحانه وتعالى في ذكر نوع آخر من قبائحهم فقال: {وَمِنْهُمْ} ؛ أي: ومن هؤلاء المنافقين {مَنْ يَلْمِزُكَ} يا محمد ويعيبك سرًّا ويطعن عليك {فِي} قسمة {الصَّدَقَاتِ} والزكوات المفروضة بين الناس إذ يزعمون أنك تحابى فيها، وتؤتي من تشاء من الأقارب وأهل المودة، ولا تراعي العدل في ذلك، قيل: وفر الرسول - صلى الله عليه وسلم - قسم أهل مكة في الغنائم استعطافًا لقلوبهم، فضجَّ المنافقون. وقرأ الجمهور: {يَلْمِزُكَ} بكسر الميم مخففة، وقرأ يعقوب وحماد بن سلمة، عن ابن كثير والحسن: وأبو رجاء وغيرهم: بضمها، وهي قراءة المكيِّين، ورويت عن أبي عمرو. وقرأ الأعمش: {يُلَمِّزكُ} ، بالتشديد، وروى أيضًا حماد بن سلمة، عن ابن كثير: {يلامزك} وهي مفاعلة من واحدٍ، ثم بيَّن سبحانه أسباب هذا اللَّمْز، وأن منشأه حرصهم على حطام الدنيا، فقال: {فَإِنْ أُعْطُوا} ؛ أي: فإن أعطي هؤلاء اللامزون {مِنْهَا} ؛ أي: من الصدقات، قدر ما يريدون في الكثرة، ولو بغير حق، كأن أظهروا الفقر كذبًا واحتيالًا {رَضُوا} بما وقع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يعيِّبوه، واستحسنوا قسمته، وذلك لأنه لا مقصد لهم إلا حطام الدنيا، وليسوا من الدين في شيء {وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا} ؛ أي: من الصدقات ما يريدونه ويطلبونه {إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} ؛ أي: فاجئوك بالسخط، وبادروك بالغضب واللمز، وإن لم يكونوا مستحقين للعطاء، إذ لا هَمَّ لهم، إلا المنفعة الدنيوية، ونيل حطام الدنيا. وفائدة إذا الفجائية إفادة أنَّ الشرط مفاجئ للجزاء، وهاجمٌ عليه، وقد ثابت إذا الفجائية مناب فاء الجزاء على حد قوله:
وَتَخْلُفُ الْفَاءَ إِذَا المُفَاجَأَهْ
والأصل فهم يسخطون.