فإن قيل: فكيف الجمع بينه وبين قوله: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} [الزلزلة: 7] قلنا: وجب أن يصرف ذلك إلى تأثيره في تخفيف العقاب ، ودلت الآية على أن الصلاة لازمة للكافر ، ولولا ذلك لما ذمهم الله تعالى على فعلهأعلى وجه الكسل.
فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقال الموجب للذم ليس هو ترك الصلاة ؟ بل الموجب للذم هو الإتيان بها على وجه الكسل جارياً مجرى سائر تصرفاتها من قيام وقعود ، وكما لا يكون قعودهم على وجه الكسل مانعاً من تقبل طاعتهم ، فكذلك كان يجب في صلاتهم لو لم تجب عليهم.
المسألة الرابعة:
مضى تفسير الكسالى في سورة النساء.
قال صاحب"الكشاف": {كسالى} بالضم والفتح جمع الكسلان: نحو سكارى وحيارى في سكران وحيران.
قال المفسرون: هذا الكسل معناه أنه إن كان في جماعة صلى ، وإن كان وحده لم يصل.
قال المصنف: إن هذا المعنى إنما أثر في منع قبول الطاعات ، لأن هذا المعنى يدل على أنه لا يصلي طاعة لأمر الله وإنما يصلي خوفاً من مذمة الناس ، وهذا القدر لا يدل على الكفر.
أما لما ذكره الله تعالى بعد أن وصفهم بالكفر ، دل على أن الكسل إنما كان لأنهم يعتقدون أنه غير واجب ، وذلك يوجب الكفر.
أما قوله: {وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارهون} فالمعنى: أنهم لا ينفقون لغرض الطاعة ، بل رعاية للمصلحة الظاهرة ، وذلك أنهم كانوا يعدون الإنفاق مغرماً وضيعة بينهم ، وهذا يوجب أن تكون النفس طيبة عند أداء الزكاة والإنفاق في سبيل الله ، لأن الله تعالى ذم المنافقين بكراهتهم الإنفاق ، وهذا معنى قوله عليه السلام:"أدوا زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم"فإن أداها وهو كاره لذلك كان من علامات الكفر والنفاق.
قال المصنف رضي الله عنه: حاصل هذه المباحث يدل على أن روح الطاعات الإتيان بها لغرض العبودية والانقياد في الطاعة ، فإن لم يؤت بها لهذا الغرض ، فلا فائدة فيه ، بل ربما صارت وبالاً على صاحبها.