وقوله تعالى: {خِلَالَكُمْ} أي: فيما بينكم، ومنه قوله: {وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا} [الكهف: 33] ، وقوله: {فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ} [الإسراء: 5] ، وأصله من الخلل وهو الفرجة بين الشيئين، وجمعه خلال.
ومنه قوله: {فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} [النور: 43] ، وقرئ:
(من خَلله) وهي مخارج مصب القطر، وقال الأصمعي:"تخللت القوم: إذا دخلت من خللهم وخلالهم"، ويقال: جلسنا خلال بيوت الحي، وخلال دورهم، أي جلسنا بين البيوت ووسط الدور.
قال أهل المعاني: ومعنى الإيضاع هاهنا: إسراعهم في الدخول بينهم للتضريب ينقل الكلام على التحريف، وعلى هذا المعنى دل كلام المفسرين، قال عطاء عن ابن عباس في قوله: {وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ} يريد: أضعفوا شجاعتكم، يعني: بالتضريب بينهم لتفترق الكلمة فتجبنوا عن العدو، وقال الحسن: {وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ} بالنميمة لإفساد ذات بينكم، هذا هو المعنى الصحيح، وقال الكلبي: يعني ساروا بينكم يبغونكم العنت، وعلى هذا قوله: {وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ} عبارة عن سيرهم فيما بينهم فقط، وقوله تعالى: {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} حال لهذا السير ولهم، وقال أصحاب العربية في قوله: {وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ} : أي أوضعوا مراكبهم خلالكم، وهو قول أبي الهيثم، ونحوه الكسائي: خيبوا ركائبهم فيما بينكم.
ولا يكون في هذا ذمًا لهم إلا أن يحمل هذا على معنى قول الكلبي، وقال ابن الأعرابي: أي: لأسرعوا في الهرب خلالكم، ونحوه قال ابن الأنباري: أسرعوا الفرار في أوساطكم، وهذا قول بعيد؛ لأن لفظ الآية ليس يدل على معنى الهرب، [وأي فائدة لقوله في {خِلَالَكُمْ} لو أراد بالإيضاع: الهرب] ، وقال أبو إسحاق: أي: ولأسرعوا فيما يخل بكم، وهذا راجع إلى القول الأول وهو أنه إسراع بالنميمة، والنميمة مما يخل بهم.