وقال صاحب النظم: ظاهر نظم هذه الآية والتي بعدها يوهم أن الاستئذان في الجهاد مذموم، وهذا غير سائغ في المعنى؛ لأن الذم إنما وقع على من يستأذن في القعود عن الجهاد، فالتأويل: لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر في القعود عن الجهاد، فجاء هذا النظم على سبق العلم من الجميع إلى أنه لا يقع الذم في مثل هذا إلا على من يستأذن في ترك الجهاد والقعود عنه، ومثله قوله: {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} [النساء:127] فهذا أيضًا ظاهره أنهم يرغبون في نكاحهن والمعنى على خلافه؛ لأن هذا ورد في عضل الولي عن التزويج وامتناعه من أن يتزوجها، والعرب تقول: رغبت أن أفعل كذا بمعنى: عن أن أفعله، ورغبت أن أفعله [بمعنى في أن أفعله] ولا يعرف ذلك إلا بالاعتبار بمكانه الذي وقع به، والقصة التي حدث فيها، من ذلك قول الخنساء:
يا صخر ورّاد ماء قد تناذره .... أهل الموارد ما في ورده عار
ظاهر قولها: ما في ورده عار، أن معناه [: ما على من ورده عار] ومعناه في الباطن: ما في ترك ورده مخافة عار؛ لأنها عنت: ماء ورده في موضع مخوف يتناذره الناس ويتحامونه، تقول: فهو يرد هذا الماء لشجاعته وجرأته، وإن ترك ورده تارك لم يكن عليه عار لهول ما فيه.
وقوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} ، قال ابن عباس: يريد: ليس فيهم منافق.
قال أهل المعاني: لم يخرجهم من صفة المتقين إلا لأنه علم أنهم ليسوا منهم.
45 -قوله تعالى: {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} الآية، أجمعوا على أن هذا الاستئذان في القعود عن الجهاد، وإخبار أن من فعل ذلك غير مؤمن بالله.
وقوله تعالى: {وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ} ، قال ابن عباس: يريد: شكوا في دينهم، {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} ، قال: يريد في شكهم يتمادون.