أي أن وسوسة الشيطان للكفار كانت في صورة تضخيم قوتهم وأن أحداً لن يغلبهم في قتالهم ببدر ، وأنه - أي الشيطان - سيناصرهم في المعركة ويجيرهم إن حدث لهم سوء ، ولكن هل للشيطان سلطان على أن يُعين الكفار؟ نحن نعلم أن الشيطان ليس له سلطان إلا التزيين فقط ، فكيف يكون له سلطان على نتيجة المواجهة بين الحق والباطل؟ . إن الشيطان يأتي في الآخرة فيطلب منه الكفار أن يجبرهم من عذاب الله تعالى ؛ لأنه هو الذي أغواهم وزين لهم سوء أعمالهم وجرهم إلى طريق النار ، فيتبرأ منهم ويقول لهم: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي فَلاَ تَلُومُونِي ولوموا أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} [إبراهيم: 22] .
أي أنه يقول للكافرين: أنا لم أجبركم على المعاصي ، فلم يكن لي عليكم سلطان القهر ؛ لأقهركم على أن تفعلوا شيئاً ولا سلطان الحجة لأقنعكم بأن تفعلوا المعاصي ، ولكني بمجرد أن دعوتكم استجبتم لي ؛ لأنكم تريدون المعصية واتباع شهواتكم . وقوله: {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ}
وأصرخ فلاناً أي سمع صراخه فذهب إليه لينقذه ، والإنسان عندما يواجه قوة أكبر منه يلجأ إلى الصراخ لعل أحداً يسمع صراخه ويأتي لنجدته . والذي يسمع الصراخ إما أن يكون ضعيفاً فلا يستجيب ؛ لأنه لا يستطيع أن ينقذ ذلك الذي يواجه الخطر ، وإما أن يكون قوّياً فيذهب لنجدته ، فيقال: (أصرخه) أي أنقذه وأزال سبب صراخه ، وقوله تعالى: حاكيا ما يقوله الشيطان {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ}
أي أن الشيطان لا يستطيع أن ينجيهم من العذاب وينقذهم منه ، فيزيل سبب صراخهم: {وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ}
أي أنتم لا تستطيعون دفع العذاب عني .