الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: إذَا أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ، وَقَدْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ، وَأَصَابَ جِنَايَاتٍ، وَأَتْلَفَ أَمْوَالًا فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ: يَلْزَمُهُ كُلُّ حَقٍّ لِلَّهِ وَلِلْآدَمِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَا كَانَ لِلَّهِ يَسْقُطُ، وَمَا كَانَ لِلْآدَمِيِّ يَلْزَمُهُ؛ وَقَالَ بِهِ عُلَمَاؤُنَا.
وَدَلِيلُهُمْ عُمُومُ قَوْلِهِ: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} .
وَقَوْلُ النَّبِيِّ: {الْإِسْلَامُ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ} .
وَهَذَا عَامٌّ فِي الْحُقُوقِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِاَللَّهِ كُلِّهَا.
فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْكُفْرُ الْأَصْلِيُّ، بِدَلِيلِ أَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ تَلْزَمُ الْمُرْتَدَّ؛ فَوَجَبَ أَنْ تَلْزَمَهُ حُقُوقُ اللَّهِ.
فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ بِحُقُوقِ اللَّهِ، وَلَا حُقُوقِ اللَّهِ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فِي الْإِيجَابِ وَالْإِسْقَاطِ؛ لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ يُسْتَغْنَى عَنْهُ، وَحَقَّ الْآدَمِيِّ يُفْتَقَرُ إلَيْهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ لَا تَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ، وَتَلْزَمُهُ حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ، وَفِي ذَلِكَ تَمْهِيدٌ طَوِيلٌ بَيَّنَّاهُ فِي تَخْلِيصِ التَّلْخِيصِ فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ. انتهى انتهى. {أحكام القرآن لابن العربي حـ 2 صـ}