صحيح أنه ساعة التحمل كان في نيته أن يؤدي الأمانة ، لكن ماذا عن ساعة الأداء؟ . وأنت لا تعرف ماذا تجيء به الأحداث والأغيار معك ، فقد يأتي لك ظرف تضطر أن تبدد فيه الأمانة ؛ لذلك تجد العاقل هو من يقول: ابعد عني أمانة الاختيار ، لأني لا أعلم ماذا ماذا ستفعل بي الأغيار لحظة الأداء . وكل ما دون الإنسان أعلن عدم تحمل الأمانة وقبل التسخير ، أما الإنسان فأعلن قبول الأمانة وأنه سيؤديها . ووصفه القرآن الكريم بقوله: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [الأحزاب: 72] .
"ظلوماً"لنفسه لأنه حمّل نفسه شيئاً ليس في يده . و"جهولاً"لأنه قاس وقت التحمل ولم يذكر وقت الأداء . فلم يضع في الاعتبار ما سوف تفعل به الأغيار .
ويقول الحق عز وجل هنا:
{لاَ تَخُونُواْ الله والرسول وتخونوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .
وكثير من التصرفات السلوكية للإنسان تكون مستترة عن أعين الخلق ؛ لأن أعين الخلق حين ترى جريمة ما ، فهي تستدعي رجال القانون ليأخذوا حق المجتمع من المجرم ، لكن ماذا عن الجرائم المستترة؟ .
نحن نعلم أن كل جريمة تطفو وتظهر واضحة إنما توجد تحتها جرائم مختفية ؛ لأن الذي يقتل إنما يخفي جرائم أخرى ؛ مثل شرائه السلاح بدون ترخيص ، وإن كان لا يملك نقوداً فقد يسرق ليشتري السلاح ، ثم يقوم بتجنيد غيره لمساعدته في القتل ، وكل ذلك جرائم مستترة ، وبالتأكيد هناك سلوكيات باطنة يأتي بعدها السلوك المقلق للمجتمع وهو الجريمة الظاهرة ، وقصارى قانون البشر أن يحرس المجتمع من الجرائم الظاهرة فقط ، لكن عين القانون لا ترى الجرائم الباطنة والخفية ، أما عين الدين فتختلف ، إنها ترشد الأعماق إلى الصواب ؛ لأن الدين أمانة وضعها الحق - الذي خلق الخلق - في ضمير الإنسان .