وفي هذه الآية الشريفة أعظم باعث على العمل بنصوص الأدلة ، وترك التقيد بالمذاهب ، وعدم الاعتداد بما يخالف ما في الكتاب والسنة كائناً ما كان.
قوله: {واعلموا أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ} قيل معناه: بادروا إلى الاستجابة قبل أن لا تتمكنوا منها بزوال القلوب التي تعقلون بها بالموت الذي كتبه الله عليكم.
وقيل معناه: إنه خاف المسلمون يوم بدر كثرة العدوّ ، فأعلمهم الله أنه يحول بين المرء وقلبه بأن يبدلهم بعد الخوف أمناً ، ويبدل عدوّهم من الأمن خوفاً.
وقيل هو: من باب التمثيل لقربه سبحانه من العبد كقوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد} [ق: 16] ومعناه: أنه مطلع على ضمائر القلوب ، لا تخفى عليه منها خافية.
واختار ابن جرير أن هذا من باب الإخبار من الله عزّ وجلّ بأنه أملك لقلوب عباده منهم ، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء ، حتى لا يدرك الإنسان شيئاً إلا بمشيئته عزّ وجلّ.
ولا يخفاك أنه لا مانع من حمل الآية على جميع هذه المعاني.
{وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} معطوف على {أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ} وأنكم محشورون إليه ، وهو مجازيكم بالخير خيراً ، وبالشرّ شرّاً.
قال الفراء: ولو استأنفت فكسرت همزة"إنَّه"لكان صواباً.
ولعل مراده أن مثل هذا جائز في العربية.
قوله: {واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً} أي: اتقوا فتنة تتعدّى الظالم فتصيب الصالح والطالح ، ولا تختص إصابتها بمن يباشر الظلم منكم.
وقد اختلف النحاة في دخول هذه النون المؤكدة في {تُصِيبَنَّ} فقال الفراء: هو بمنزلة قولك: انزل عن الدابة لا تطرحنك ، فهو جواب الأمر بلفظ النهي ، أي إن تنزل عنها لا تطرحنك ، ومثله قوله تعالى: {ادخلوا مساكنكم لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سليمان وَجُنُودُهُ} [النمل: 18] أي: إن تدخلوا لا يحطمنكم.