وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان ، يرفع أعلامه رسل الله الكرام: نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان ، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل ، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة ، ونجاة المؤمنين ، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى ، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق ، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم!
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص:
* إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته ، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك ، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً. واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم: {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} .