وقوله: {في الفلك} متعلّق بمعنى قوله: {معه} لأنّ تقديره: استقرّوا معه في الفلك ، وبهذا التّعليق عُلم أنّ الله أمره أن يحمل في الفلك معشراً ، وأنّهم كانوا مصدّقين له ، فكان هذا التّعليق إيجازاً بديعاً.
والفُلك تقدّم في قوله تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض} في سورة البقرة (164) .
{والذين معه} هم الذين آمنوا به ، وسنذكر تعيينهم عند الكلام على قصّته في سورة هود.
والإتيان بالموصول في قوله: {وأغرقنا الذين كذّبوا بآياتنا} دون أن يقال: وأغرقنا سائرهم ، أو بقيتهم ، لما تؤذن به الصّلة من وجه تعليل الخبر في قوله: {وأغرقنا} أي أغرقناهم لأجل تكذيبهم.
وجملة: {إنهم كانوا قوماً عمين} تتنزل منزلة العلّة لجملة {أغرقنا} كما دلّ عليه حرف (إن) لأنّ حرف (إن) هنا لا يقصد به ردّ الشكّ والتَّرَدّد ، إذ لا شكّ فيه ، وإنّما المقصود من الحرف الدّلالة على الاهتمام بالخبر ، ومن شأن (إن) إذا جاءت للاهتمام أن تقوم مقام فَاء التّفريع ، وتفيدَ التّعليل وربط الجملة بالتي قبلها.
ففصل هذه الجملة كَلاَ فَصْل.
و {عَمِين} جمع عَمٍ جمع سلامة بواو ونون.
وهو صفة على وزن فَعِل مثل أشِر ، مشتق من العمَى ، وأصله فقدان البصر ، ويطلق مجازاً على فقدان الرأي النّافع ، ويقال: عَمَى القَلْببِ ، وقد غلب في الكلام تخصيص الموصوف بالمعنى المجازي بالصّفة المشبَّهة لدلالتها على ثبوت الصّفة ، وتمكّنها بأن تكون سجية وإنّما يصدّق ذلك في فقد الرّأي ، لأنّ المرء يخلق عليه غالباً ، بخلاف فقد البصر ، ولذلك قال تعالى هنا {عَمِين} ولم يقل عُمْياً كما قال في الآية الأخرى
{عُمْياً وبكماً وصُمّاً} [الإسراء: 97] ومثله قول زهير:
ولكنّني عن عِلْممِ مَا فِي غدٍ عَمِ...
والذين كذّبوا كانوا عمين لأنّ قادتهم دَاعون إلى الضّلالة مؤيّدونها ، ودهماؤهم متقبّلون تلك الدّعوة سمَّاعون لها.