وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: 36] قَالَ الشَّافِعِيُّ: مُهْمَلًا لَا يُؤْمَرُ وَلَا يُنْهَى، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يُثَابُ وَلَا يُعَاقَبُ، وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ، فَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ يَحْسَبُ ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَبِيحٌ تَأْبَاهُ حِكْمَتُهُ وَعِزَّتُهُ، وَأَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِهِ، وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتْرُكُهُ سُدًى بِقَوْلِهِ: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى} [القيامة: 37] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَلَوْ كَانَ قُبْحُهُ إِنَّمَا عُلِمَ بِالسَّمْعِ لَكَانَ يَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ خِلَافُ السَّمْعِ، وَخِلَافُ مَا أَعْلَمَنَاهُ وَأَخْبَرَنَا بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ إِنْكَارُهُ لِكَوْنِهِ قَبِيحًا فِي نَفْسِهِ، بَلْ لِكَوْنِهِ خِلَافَ مَا أَخْبَرَ بِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَيْسَ وَجْهَ الْكَلَامِ.
وَكَذَلِكَ إِنْكَارُهُ سُبْحَانَهُ قُبْحَ الشِّرْكِ بِهِ فِي إِلَهِيَّتِهِ، وَعِبَادَةَ غَيْرِهِ مَعَهُ بِمَا ضَرَبَهُ لَهُمْ مِنَ الْأَمْثَالِ، وَأَقَامَ عَلَى بُطْلَانِهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَلَوْ كَانَ إِنَّمَا قَبُحَ بِالشَّرْعِ لَمْ يَكُنْ لِتِلْكَ الْأَدِلَّةِ وَالْأَمْثَالِ مَعْنًى.
وَعِنْدَ نُفَاةِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ يَجُوزُ فِي الْعَقْلِ أَنْ يَأْمُرَ بِالْإِشْرَاكِ بِهِ وَبِعِبَادَةِ غَيْرِهِ! وَإِنَّمَا عُلِمَ قُبْحُهُ بِمُجَرَّدِ النَّهْيِ عَنْهُ!.