يَنْهَى عَنْهُ؟ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِمَعْنَى كَوْنِهِ فَاحِشَةً عِنْدَهُمْ إِلَّا أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، لَا أَنَّ الْعُقُولَ تَسْتَفْحِشُهُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ} [الأعراف: 29] وَالْقِسْطُ عِنْدَهُمْ هُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ، لَا أَنَّهُ قِسْطٌ فِي نَفْسِهِ، فَحَقِيقَةُ الْكَلَامِ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِمَا أَمَرَ بِهِ.
ثُمَّ قَالَ {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32] دَلَّ عَلَى أَنَّهُ طَيِّبٌ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وَأَنَّ وَصْفَ الطَّيِّبِ فِيهِ مَانِعٌ مِنْ تَحْرِيمِهِ مُنَافٍ لِلْحِكْمَةِ.
ثُمَّ قَالَ {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف: 33] وَلَوْ كَانَ كَوْنُهَا فَوَاحِشَ إِنَّمَا هُوَ لِتَعَلُّقِ التَّحْرِيمِ بِهَا، وَلَيْسَتْ فَوَاحِشَ قَبْلَ ذَلِكَ، لَكَانَ حَاصِلُ الْكَلَامِ: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ مَا حَرَّمَ، وَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ الْإِثْمِ وَالْبَغْيِ، فَكَوْنُ ذَلِكَ فَاحِشَةً وَإِثْمًا وَبَغْيًا بِمَنْزِلَةِ كَوْنِ الشِّرْكِ شِرْكًا، فَهُوَ شِرْكٌ فِي نَفْسِهِ قَبْلَ النَّهْيِ وَبَعْدَهُ.
فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْفَاحِشَةَ وَالْقَبَائِحَ وَالْآثَامَ إِنَّمَا صَارَتْ كَذَلِكَ بَعْدَ النَّهْيِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَقُولُ: الشِّرْكُ إِنَّمَا صَارَ شِرْكًا بَعْدَ النَّهْيِ، وَلَيْسَ شِرْكًا قَبْلَ ذَلِكَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا وَهَذَا مُكَابَرَةٌ صَرِيحَةٌ لِلْعَقْلِ وَالْفِطْرَةِ، فَالظُّلْمُ ظُلْمٌ فِي نَفْسِهِ قَبْلَ النَّهْيِ وَبَعْدَهُ، وَالْقَبِيحُ قَبِيحٌ فِي نَفْسِهِ قَبْلَ النَّهْيِ وَبَعْدَهُ، وَالْفَاحِشَةُ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الشِّرْكَ، لَا أَنَّ هَذِهِ الْحَقَائِقَ صَارَتْ بِالشَّرْعِ كَذَلِكَ.