وبعد أن ذكر أنه خالق السموات والأرض وأنه المتصرف الحاكم المدبر المسخر، وأرشد إلى دعائه لأنه على ما يشاء قادر، يعود السياق ليعرفنا تعالى على ذاته من خلال عنايته ورعايته ورحمته بعباده، ويذكرنا في الوقت نفسه باليوم الآخر، فأخبر أنه هو الذي يرسل الرياح مبشرات بين يدي المطر الذي هو مظهر من مظاهر رحمته العظمى بخلقه، حتى إذا حملت الرياح سحابا ثقالا أي من كثرة ما تحمل من الماء يسوقه الله إلى أرض مجدبة ميتة لا نبات فيها فيخرج به من كل الثمرات، فكما يحيي الله هذه الأرض بعد موتها كذلك يحيي الأجساد بعد صيرورتها رميما يوم القيامة، فمن كان له قلب فإنه يتذكر، ثم ضرب الله مثلا للمؤمن، والكافر بالبلد الطيب، والبلد الخبيث، فالبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه سريعا وحسنا وطيبا ومباركا، وأما البلد الخبيث كالسباخ وغيرها فإن نباته لا يخرج إلا خبيثا لا خير فيه، فكذلك المؤمن ينزل على قلبه القرآن فينمو إيمانه وينمو الخير في قلبه، وأما الكافر فلا يزيده الوحي إلا عنادا، ويختم الله المقطع بالتذكير أنه يصرف الآيات لقوم يشكرون.
ذكرنا في بداية المقطع بتمكيننا في الأرض، وجعله لنا فيها معايش لنشكر، وذكرنا بما أنعم علينا من نعمة الوحي في آخر المقطع لنشكر، فمن لم تستجلب نعمة الله في الكون
شكره، ومن لم تستجلب آيات الله في كتابه شكره فأي قلب عاق قلبه؟.
كلمة في السياق:
1 -في سورة البقرة جاءت قصة آدم بعد قوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وفي سورة الأعراف جاءت قصة آدم بعد قوله تعالى: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ
وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ
وفي سورة البقرة جاءت قصة آدم، وبعدها مباشرة خطاب لبني إسرائيل، وهاهنا تأتي قصة آدم وبعدها خطابات لبني آدم، ثم عرض لقصص أقوام انحرفوا عن أمر الله ثم تأتي قصة بني إسرائيل، فههنا تفصيل لمحور السورة وامتداداته وارتباطاته، وهاهنا بناء عليه ودروس في شأنه.