وَأَمَّا الضَّيِّقُ، فَإِنَّ عَامَّةَ الْقُرَّاءِ عَلَى فَتْحِ ضَادِهِ وَتَشْدِيدِ يَائِهِ، خَلَا بَعْضِ الْمَكِّيِّينَ فَإِنَّهُ قَرَأَهُ: (ضَيْقًا) بِفَتْحِ الضَّادِ وَتَسْكِينِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهِ. وَقَدْ يَتَّجِهُ لِتَسْكِينِهِ ذَلِكَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ سَكَّنَهُ وَهُوَ يَنْوِي مَعْنَى التَّحْرِيكِ وَالتَّشْدِيدِ، كَمَا قِيلَ: هَيْنٌ لَيْنٌ، بِمَعْنَى: هَيِّنٌ لَيِّنٌ.
وَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ سَكَّنَهُ بِنِيَّةِ الْمَصْدَرِ مِنْ قَوْلِهِمْ: ضَاقَ هَذَا الْأَمْرُ يَضِيقُ ضَيْقًا، كَمَا قَالَ رُؤْبَةُ:
[البحر الرجز]
وَقَدْ عَلِمْنَا عِنْدَ كُلِّ مَأْزِقِ ... ضَيْقٍ بِوَجْهِ الْأَمْرِ أَيِّ مَضْيَقِ
وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ: {وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} .
وَقَالَ رُؤْبَةُ أَيْضًا:
وَشَفَّهَا اللَّوْحُ بِمَأْزُولٍ ضَيَقْ بِمَعْنَى: ضَيِّقٍ. وَحُكِيَ عَنِ الْكِسَائِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الضِّيقُ بِالْكَسْرِ: فِي الْمَعَاشِ وَالْمَوْضِعِ، وَفِي الْأَمْرِ الضَّيْقُ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ أَبْيَنُ الْبَيَانِ لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهَا عَنْ أَنَّ السَّبَبَ الَّذِي بِهِ تُوِصِّلَ إِلَى الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ غَيْرُ السَّبَبِ الَّذِي بِهِ تُوِصِّلَ إِلَى الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَأَنَّ كِلَّا السَّبَبَيْنِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يَشْرُحُ صَدْرَ مَنْ أَرَادَ هِدَايَتَهُ لِلْإِسْلَامِ، وَيَجْعَلُ صَدْرَ مَنْ أَرَادَ إِضْلَالَهُ ضَيِّقًا عَنِ الْإِسْلَامِ حَرَجًا، كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ شَرْحَ الصَّدْرِ لِلْإِيمَانِ خِلَافُ تَضْيِيقِهِ لَهُ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ تُوِصِّلَ بِتَضْيِيقِ الصَّدْرِ عَنِ الْإِيمَانِ إِلَيْهِ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ تَضْيِيقِهِ عَنْهُ وَبَيْنَ شَرْحِهِ لَهُ فَرْقٌ، وَلَكَانَ مَنْ ضَيَّقَ صَدْرَهُ عَنِ الْإِيمَانِ قَدْ شَرَحَ صَدْرَهُ لَهُ، وَمَنْ شَرَحَ صَدْرَهُ لَهُ فَقَدْ ضَيَّقَ عَنْهُ، إِذْ كَانَ مَوْصُولًا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَعْنِي مِنَ التَّضْيِيقِ وَالشَّرْحِ، إِلَى مَا يُوصَلُ بِهِ إِلَى الْآخَرِ. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ كَانَ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي جَهْلٍ لِلْإِيمَانِ بِهِ وَضَيَّقَ صَدْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ، وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ.