وعلى الأقل كانت المساواة تقتضي ولا نسأل عما تجرمون ولكنه لم يقل ذلك . وهذا هو الأدب العالي واللطف ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يريد ألا يترك الرسول لغرائزهم مكاناً للإباء عليه ، وألا يجدوا وسيلة لينفروا من الدعوة . ولهذا يعلمنا هذا الأسلوب فيقول: {وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108] .
وبذلك نحقق لطف الجدل . ويقول سبحانه: {إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأعراف: 194] .
وإن كنتم تريدون كشف حقيقة تلك الأصنام فهي أيضاً مخلوقة لله وهي تعبده ، واسألوهم ولن يجيبوا ، وهم لا أرجل لهم يمشون عليها ، ولا لهم أيد يبطشون بها ، ولا لهم أعين يبصرون بها ، ولا لهم آذان يسمعون بها . وفوق ذلك: {إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ} [الحج: 73] .
وهل هناك ما هو أقل من الذباب في عرفكم؟ نعم ، يقول الحق: {وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ} [الحج: 73] .
فإن جاءت ذبابة وحطت على ما تأكل ، أتستطيع أن تسترجع منها شيئاً؟ لن تستطيع ، وإن كنت جباراً وفتوة فامسك الذبابة وخذ منها الطعام الذي أخذته ، لن تستطيع ، ولذلك يقول الحق سبحانه: {ضَعُفَ الطالب والمطلوب} [الحج: 73] .
وهذا هو الجدل الذي يجعل المجادل يخجل من نفسه ، لكن إذا ثرت في وجهه وتعصبت فأنت تجعل له عذراً في الحفيظة عليك والغضب منك والهجوم عليك ، وفي الانصراف عن منهج الله ، ونسأل الله أن يعطينا طول البال وسعة الحلم والأناة على الجدل اللطيف .
{وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} [الأنعام: 108] .