صحيح أن المؤمنين معذورون في حماسهم حين يدخلون في مناقشة مع المشركين ولكن ليتذكر المؤمن القيمة النهائية وهي الخير للدعوة . وليسأل الله أن يرزقه الصبر على المشركين ، ويعلمنا الحق كيف نسير في منهج الدعوة ، وعلى سبيل المثال نجد سيدنا نوحاً عليه السلام الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما . وظل يدعو ويتحنن في الدعوة ، إلى أن قالوا له في آخر المطاف: أنت تفتري هذا الكلام من عندك ، فعلمه الله سبحانه وتعالى أن يقول: {قُلْ إِنِ افتريته فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بريء مِّمَّا تُجْرِمُونَ} [هود: 35] .
ويقول الحق سبحانه معلماً رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السماوات والأرض} [سبأ: 24] .
أي من الذي يعطيكم قوام الحياة؟ وأنت حين تسألهم سؤالاً يناقض ما هم عليه . فيتلجلجون ، فيسعف الله رسوله فيوضح سبحانه ويأمره أن يقول لهم: {قُلِ الله وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [سبأ: 24] .
و"إنا"أي رسول الله ومن معه ."أو إياكم"المقصود بها الكافرون بالله ، ولم يقل لهم أنا وحدي على هدى وأنتم على ضلال ، بل قال: منهجنا ومنهجكم لا يتفقان ، ولا بد أن يكون هناك منهج على هدى ومنهج على ضلال ، ولن أقول مَن هو الذي على هدى ، ومَنْ هو الذي على ضلال ؛ لأن محمداً صلى الله عليه وسلم واثق من أنهم لو أداروا المسألة على عقولهم وعلى بصائرهم: فلن يجدوا جواباً إلا أن رسول الله على الهدى وأنهم على الضلال . فتركهم هم ليقولوها .
ولنتأمل أيضاً قول الحق سبحانه: {قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [سبأ: 25] .
لم يقل الحق إنهم هم الذين يجرمون ، بل جعل الجرم - إن صح - على المؤمنين ، وجعل العمل - وإن فسد - مع الكافرين .