عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ، يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} ، يَقُولُ:"مَنْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُضِلَّهُ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ صَدْرَهُ حَتَّى يَجْعَلَ الْإِسْلَامَ عَلَيْهِ ضَيِّقًا، وَالْإِسْلَامُ وَاسِعٌ، وَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ، يَقُولُ: مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ ضِيقٍ"
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: شَاكًّا
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: مُلْتَبِسًا
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ مِنْ شِدَّةِ الضِّيقِ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ الْإِيمَانُ
عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ: {ضَيِّقًا حَرَجًا} قَالَ: «لَيْسَ لِلْخَيْرِ فِيهِ مَنْفَذٌ»
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ: {ضَيِّقًا حَرَجًا} بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ مِنْ {حَرَجًا} ، وَهِيَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ الْمَكِّيِّينَ وَالْعِرَاقِيِّينَ، بِمَعْنَى: حَرَجَةٍ عَلَى مَا وَصَفْتُ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ: (ضَيِّقًا حَرِجًا) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ بِمَعْنَى الْحَرَجِ، وَقَالُوا: الْحَرَجُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ، وَالْحَرِجُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُمَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ، مِثْلُ الدَّنَفِ وَالدَّنِفِ، وَالْوَحَدِ وَالْوَحِدِ، وَالْفَرَدِ وَالْفَرِدِ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بَلْ هُوَ بِمَعْنَى الْإِثْمِ مِنْ قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ آثَمٌ حَرِجٌ.
وَذُكِرَ عَنِ الْعَرَبِ سَمَاعًا مِنْهَا: حَرِجٌ عَلَيْكَ ظُلْمِي، بِمَعْنَى: ضِيقٌ وَإِثْمٌ وَالْقَوْلُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَلُغَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَهُوَ مُصِيبٌ لِاتِّفَاقِ مَعْنَيَيْهِمَا، وَذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا مِنَ الرِّوَايَاتِ عَنِ الْعَرَبِ فِي الْوَحَدِ وَالْفَرَدِ بِفَتْحِ الْحَاءِ مِنَ الْوَحَدِ وَالرَّاءِ مِنَ الْفَرَدِ وَكَسْرِهِمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ.