وبعبارة أخرى: لو أنّنا نزّلنا إليهم الملائكة، فرأوهم بأعينهم مرة بعد أخرى، وسمعوا شهادتهم لك بالرّسالة ولو كلّمهم الموتى بأن نحييهم، فيخبروهم بصدق ما جاءتهم به الرّسل كما طلبوا: فَأْتُوا بِآبائِنا [الدّخان 44/ 36] ، وحشرنا، أي وجمعنا كلّ شيء من الآيات والدّلائل معاينة ومواجهة، فيخبرونهم بصدق الرّسل فيما جاؤوا به، وقيل: قُبُلًا كفلاء بصحّة ما بشّرنا به وأنذرنا، أو جماعات تعرض عليهم كلّ جماعة بعد أخرى، ما كان شأنهم به يؤمنوا، وليس عندهم الاستعداد أن يصدّقوا لأنهم لا ينظرون في الآيات نظر تأمّل وهداية وعظة، وإنما ينظرون إليها نظر معاداة واستهزاء، لا يؤمنون إلا بمشيئة الله، أي لا يؤمنون ما داموا على صفاتهم، إلّا أن يزيلها الله تعالى إن شاء، فالهداية مقدور عليها من الله، ولكنه تعالى يتركهم وشأنهم بعد أن بصّرهم بطرق الخير والانتفاع بهدي القرآن.
فالمراد بقوله: ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا أي ما كانوا ليؤمنوا على سبيل الاختيار، والمراد من قوله: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هو الإيمان الاختياري، وليس الإيمان الاضطراري، كما قال الرّازي لأن المستثنى يجب أن يكون من جنس المستثنى منه، والإيمان الحاصل بالإلجاء والقهر ليس من جنس الإيمان الاختياري.
ولكن أكثر هؤلاء المشركين يجهلون أن الإيمان إليهم والكفر بأيديهم، متى شاؤوا آمنوا ومتى شاؤوا كفروا، وليس ذلك كما يظنون، لا يؤمن منهم إلا من هديته له فوفقته، ولا يكفر إلا من خذلته عن الرّشد فأضللته. هذا ما يراه الطبري وهو الظاهر الرّاجح.
ويرى الزّمخشري: ولكن أكثر المسلمين يجهلون أن هؤلاء لا يؤمنون إلا أن يضطرهم الله، فيطمعون في إيمانهم إذا جاءت الآية المقترحة. يعني أن المعتزلة يرون أن المستثنى هو الإيمان الاضطراري، وأن الضمير في قوله: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ عائد في رأي الزمخشري إلى المسلمين لا إلى الكفار، والمعتزلة يقولون:
المراد: أنهم أي المشركون جهلوا أنهم يبقون كفارا عند ظهور الآيات التي طلبوها، والمعجزات التي اقترحوها، وكان أكثرهم يظنون ذلك. وأهل السّنّة يقولون: المراد: يجهلون بأنّ الكلّ من الله وبقضائه وقدره.