وقال الفرًّاء في سُورة الأنعام:"قُبُلاً"جَمْع"قَبِيل"وهو"الكَفِيل"قال: وإنَّما اخْتَرت هنا أن يكُون القُبُل في المعنى الكفالة ؛ لقولهم: {أَوْ تَأْتِيَ بالله والملائكة قَبِيلاً} [الإسراء: 92] يَضْمَنُون ذلك.
الثاني: أن يَكُون جَمْع قِبِيل ، بِمَعْنى: جماعةً جماعةً ، أو صنْفاً صنفاً.
والمعنى:"وحَشَرْنا عَلَيْهم كلَّ فوْجاً فوْجاً ، ونوْعاً نوْعاً من سَائِر المَخْلُوقات".
الثالث: أن يكون"قُبُلاً"بِمَعْنى: قِبَلاً كالقِرَاءة الأولَى في أحد وجْهَيْهَا وهو المُواجَهة أي: مُواجَهَةً ومُعَايَنةً ، ومنه"آتِيكَ قُبُلاً لا دُبُراً"أي: آتِيك من قِبَل وَجْهِك ، وقال تعالى: {إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ} [يوسف: 26] وقُرئ:"لقبل عدتهن" [الطلاق: 41] ، أي: لاسْتِقْبَالها ، وقال الفرَّاء:"وقد يكون قُبُلاً:"من قِبَل وُجُوهِهِم"."
وأمَّا الذي في سُورة الكَهْف: فإنه يَصِحُّ فيه مَعْنى المُواجهة ، والمُعَاينة ، والجماعة صنْفاً صنْفاً ، لأن المُراد بالعَذَاب: الجِنْس ، وسَيَأتي له مَزِيد بَيَان.
و"قُبُلاً"نَصْب على الحَالِ - كما مَرَّ - من"كلِّ"، وإن كان نكرة ؛ لِعُمُومه ، وتقدَّم أنَّه في أحد أوْجُهِهِ يُنْصَبُ على الظَّرف عند المُبَرِّد.
وأمّا قراءة الحسن فمخفَّفَة من المَضْمُوم ، وقرأه أبَيُّ بالأصْل وهو المُفْرَدِ.
وأما قراءة طَلْحَة فهو ظَرْف مَقْطُوع عن الإضَافة ، مَعْنَاه: أو يَأتِيَ باللَّه والملائِكَة قَبْلَه ، ولكن كَانَ يَنْبَغِي أن يُبْنَى ؛ لأن الإضافة مُرادَة.
قوله:"مَا كَانُوا"جواب"لَوْ"وقد تقدَّم أنَّه إذا كَانَ مَنْفيّاً ، امتَنَعت اللاَّم.