فهرس الكتاب

الصفحة 2070 من 2175

حق في الإمامة؛ فلا يشك عاقل أن أحدا لا ينزل عن ولايته، وعظيم مملكته مسلما في ذلك الأمر لعدوه، رغبة عنها عادة؛ بل العادة تقضى أن ذلك لا يكون إلّا لدفع مفسدة تربى على مصلحة الولاية، فما ظنك بمن كان معصوما، ومستحقا للإمامة، وواجبا عليه طلبها، للقيام بلوازمها.

وعلى هذا فنزوله عن الإمامة، وتسليمها إلى معاوية مع فسقة، إنما كان لما ظهر له من تخاذل أصحابه، وميلهم إلى أموال معاوية، ودنياه، وأن الأمر لا يتم له، وأن الإصرار على طلب الحق ممّا يفضى إلى ضرر يحل به، وبشيعته يزيد على مصلحة الإمامة.

وأما إظهار البيعة منه لمعاوية، وموالاته، وأخذ عطاياه؛ فجوابه ما سبق في قصة عليّ عليه السلام.

وأما عذل بعض أصحابه له على ذلك، وتسميتهم له خاذل المؤمنين؛ فإنما كان لاغترارهم بما رأوه من كثرة عدد أصحابه، وبموافقتهم له في مراده، وأن الأمر لو استمر على الإمامة، لدام، ولم يقفوا على ما وقف عليه، ولم ينتهوا لما يفضى عاقبة الأمر إليه؛ لغلظ أفهامهم، وقلة معرفتهم.

وما ذكرتموه من الإلزام الثالث في قصة الحسين عليه السلام، فغير لازم.

أيضا؛ فإنه إنما تحرك إلى الكوفة بعد أن ظهر له من أهل الكوفة الرغبة فيه، والميل إليه، بما أخذه عليهم من العهود، والمواثيق بعد كثرة مكاتبات رؤسائهم له، والأعيان منهم/ ومن تبعهم من السواد الأعظم، وذلك مع ما اجتمع له من الأعوان، والأنصار المعتمد عليهم. ومتى غلب على ظن الإمام الوصول إلى حقه، والقيام بما أوجبه [اللّه] «1» عليه من النظر في أحوال المسلمين؛ وجب عليه السعى في طلبه.

وأما عذل من خذله: كابن عباس، وابن عمر، وغيرهما؛ فإنما كان لأنه لم يظهر لهم ما ظهر له [من قرائن الأحوال، ومكاتبات أهل الكوفة له] «2» بالمعاضدة والمناصرة.

وأما قولكم: إنه ألقى نفسه، وشيعته في التهلكة، حيث أنه لم ينزل على أمان عبيد اللّه بن زياد؛ ليس كذلك؛ فإنه كيف يظنّ به ذلك، وقد قال لعمر بن سعد «3» لما

(1) لفظ الجلالة ساقط من (أ) .

(2) ساقط من أ.

(3) عمر بن سعد (توفى سنة 66 ه) هو عمر بن سعد بن أبى وقاص من التابعين، كان على رأس الجيش الّذي قتل الامام الحسين- رضى الله عنه- وصحبه، وقد قتله المختار بن أبى عبيد.

[تاريخ الطبرى 5/ 412، تهذيب التهذيب 7/ 450] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت