وقد اتفق العقلاء على امتناع تداخل الجواهر، ووجود جوهر يجب وجود جوهر آخر خلافا للنظام «2» من المعتزلة؛ فإنه قال: بتداخل الجواهر، وأنه إذا تميزت جملة من الجواهر؛ جاز وجود جملة أخرى من الجواهر في حيث وجودها.
وطريق الرد عليه أن يقال: لو جاز تداخل «3» الجواهر: فإما أن يقال عند التداخل باتّحاد الجواهر المتداخلة، أو تعددها.
فإن قيل بالاتحاد: فإما أن يقال باستمرار وجود الجواهر المتداخلة، أو بعدمها، أو باستمرار البعض، وعدم البعض.
فإن كان الأول: فالقول بالاتحاد مع استمرار الجواهر المتداخلة محال.
وإن كان الثانى: فلا تداخل؛ بل هو فساد لما كان من الجواهر، وكون لأمر آخر.
وإن كان الثالث: فلا تداخل أيضا؛ بل هو فساد، وعدم البعض مع استمرار البعض.
وإن قيل بتعدد الجواهر: مع تداخلها، ووجود بعضها بحيث البعض الآخر، فلو كان البعض منها أسود، والبعض أبيض: فإما أن نراهما، أو نرى أحدهما دون الآخر، أو لا نرى واحدا منهما.
فإن كان الأول: فإما أن يكون ما نراه أسود؛ هو غير ما نراه أبيض، أو أن ما نراه أسود؛ غير الّذي نراه أبيض.
(1) لمزيد من البحث والدراسة في هذا الموضوع ارجع إلى المراجع التالية: الشامل في أصول الدين للجوينى ص 160 وما بعدها. والمواقف للإيجي ص 251 المقصد الرابع: الجواهر يمتنع عليها التداخل لذاتها بالضرورة، وشرح المواقف للجرجانى 7/ 239.
(2) انظر المواقف للإيجي ص 251 فقد استبعد تصريح النظام بهذا الرأى وقال: «و أما النظام: فقيل إنه جوزه، والظاهر أنه لزمه ذلك فيما صار إليه وأما أنه التزمه وقال به، فلم يعلم، وإن صح كان مكابرا» .
(3) وقد عرف الآمدي التداخل في كتابه (المبين ص 97) فقال: «و أما التداخل فعبارة عن ملاقاة شيء بأجمعه لآخر بأجمعه، ويتبعه كون كل واحد من المتداخلين في مكان الآخر» .