وقد ذهب بعضهم «2» إلى أنّ: مراتب النّظر الصّحيح متفاوتة، ومنقسمة إلى «3» الخفي والجلى، محتجا على ذلك «3» بما تجده من سرعة بعض النظار إلى إدراك مقصده، وبعد غيره، وافتقار البعض إلى بحث «4» أشدّ من بحث الآخر، وذلك مختلف باختلاف المطلوب في قرب الإدراك وبعده. حتى إن النّظر في مسألة افتقار الممكن إلى محدث «5» أقرب وأجلى من النظر في مسألة حدوث العالم، وغيرها من المسائل الغامضة الدقيقة.
وإطلاق العقلاء، وأهل التحقيق، شائع ذائع بقولهم: هذا نظر جلى، وهذا خفي؛ وهو بعيد عن التحقيق، فإنّ النظر بحث يطلب به البيان، وهو مضاد للبيان، على ما تقدم في القاعدة الأولى «6» ، وما يضاد البيان؛ لا يكون موصوفا به، وما لا يكون موصوفا بالبيان لا يقال: منه ما هو جلى، وخفي؛ إذ الجلاء، والخفاء من صفات البيان. وسرعة بعض النظار في إدراك مقصده، وبعد الآخر؛ ليس بسبب تفاوت النظر في الجلاء والخفاء؛ بل إنّما ذلك بسبب استناد النظر إلى الضّروريات وقلّة الوسائط المستندة إليها وكثرتها، وطول الزمان وقصره، أو بسبب التفاوت في كلال القريحة، والقوى الدراكة في البحث عن وجه دلالة الدليل.
وبالنظر إلى الاحتمال الأول: كان قرب حصول بعض المطلوبات دون البعض.
وعليه يجب حمل الإطلاق بانقسام النظر إلى الجلى، والخفي.
أما أن يكون أحد النظرين أبين في نفسه من النّظر الآخر؛ فلا.
وإن أطلق الجلاء والخفاء باعتبار ما حققناه؛ فالمنازعة في اللفظ دون المعنى.
(1) في ب (إن النظر ينقسم إلى جلى، وخفي) . انظر طوالع الأنوار ص 31، 32.
(2) وقد وضح إمام الحرمين هذا البعض بأنهم بعض المنتمين إلى الأصوليين، وأسهب في الرد عليهم في الشامل ص 101 - 105 وما هنا قد يكون مختصرا لما أورده إمام الحرمين في الشامل.
(3) في ب (الجلى والخفي محتجا إلى ذلك) .
(4) في ب (أبحاث) .
(5) في ب (المحدث) .
(6) انظر ل 15/ أ.