أما حقيقة الواحد:
فقد قال بعض أئمتنا: إنه الشيء الّذي لا يصح انقسامه.
وفيه نظر؛ فإن الواحد قد يطلق على ما هو قابل للقسمة باعتبار اختصاصه بصفات لا يشاركه فيها أحد: ومنه يقال: فلان واحد في عصره: أى لا نظير له، ولا شبيه له في صفاته.
وكذلك قد يطلق على آحاد الناس، أو الموجودات: أنه واحد، وإن كان صالحا للانقسام.
وقد يطلق على مبدأ الكثرة.
فإن أريد بالحد المذكور تحديد الواحد بالاعتبار الأول: فلا يخفى بطلانه.
وإن أريد به تحديد الواحد بالاعتبار الثانى: فهو باطل أيضا؛ فإنه لا معنى لقول القائل لا يصح انقسامه، إلا أنه لا تلحقه الكثرة؛ فتكون الكثرة مأخوذة في تعريف «2» الواحد. والكثرة [متوقفة] «3» في معرفتها على معرفة الواحد؛ لكونه مبدأ لها، وأى حد قيل في الكثرة كان الواحد مأخوذا فيه. وذلك كما يقال: الكثرة ما تعد بالواحد، وأنها المجتمعة من الآحاد وغير ذلك؛ فيكون دورا.
وفى معنى هذه العبارة قول بعض الأصحاب: الواحد هو الّذي لا يصح تقدير رفع شيء منه مع إبقاء شيء منه، أو الّذي لا يقال فيه شيء وشيء، إلا على طريق التكرار.
والأقرب: أن معرفتنا للواحد الّذي هو مبدأ الكثرة؛ غير نظرية. وأن كل ما يقال فيه إنما هو على سبيل التذكير، والتنبيه، لا على سبيل التحديد المشروط فيما سلف.
(1) فى ب (الوحدة) .
(2) فى ب (حد) .
(3) فى أ (فمتوقفة) .