أجمع أكثر أصحابنا، والمعتزلة، وكثير من أهل الحق من المسلمين، «2» على أن النظر «2» المؤدى إلى معرفة الله- تعالى- واجب.
غير أن مدرك وجوبه عندنا: الشرع. خلافا للمعتزلة في قولهم: إن مدرك وجوبه:
العقل، دون الشرع.
وقد احتج أصحابنا على وجوبه من جهة الشرع بمسلكين:
المسلك الأول: التمسك/ بظواهر النّصوص الدّالة على وجوب النظر.
منها قوله- تعالى-: قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ والْأَرْضِ «3» .
ومنها قوله- تعالى-: فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها «4» .
أمر بالنظر، والأمر ظاهر في الوجوب.
وأيضا: لما نزل قوله- تعالى-: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ والْأَرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ «5» ، قال النبي- صلى اللّه عليه وسلم- «ويل لمن لاكها بين لحييه ولم يتفكّر «6» فيها» تواعد بترك الفكر والنظر فيها؛ وهو دليل الوجوب. إلى غير ذلك من الأدلّة. وموضع معرفته: أن صيغة افعل: للأمر، وأنّ الأمر للوجوب؛ فلا يفي بأصول الفقه. وعلى كل تقدير؛ فهى غير خارجة عن الحجج الظاهرية، والأدلة الظنية.
(1) انظر المغنى ج 12 ص 347 - 533 وشرح الأصول الخمسة ص 66 - 70 والمحيط بالتكليف ص 26 - 32 للقاضى عبد الجبار. وانظر أصول الدين ص 31 - 32 للبغدادى. والشامل ص 115، 120 والإرشاد ص 8 - 11 للجوينى والمحصّل ص 28 للرازى. وشرح الطوالع للأصفهانى ص 33 - 35 ثم قارن بشرح المواقف ص 111 - 123 للجرجانى وشرح المقاصد ص 33 للتفتازانى.
(2) في ب (ان اللفظ) .
(3) سورة يونس 10/ 101.
(4) سورة الروم 30/ 50.
(5) سورة آل عمران 3/ 190.
(6) روى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: لما نزلت هذه الآية على النبي صلى اللّه عليه وسلم قام يصلى، فآتاه بلال يؤذنه بالصلاة فرآه يبكى. فقال: يا رسول الله: أ تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال: يا بلال:
أ فلا أكون عبدا شكورا. ولقد أنزل الله عليّ الليلة آية: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ والْأَرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ.) ثم قال: «ويل لمن قرأها، ولم يتفكر فيها» [تفسير القرطبى 4/ 310] .