[المسلمون قبل ظهور الفرق]
وقبل النظر في تحقيق الحق، وإبطال الباطل من ذلك، لا بد من الإشارة إلى فرق المخالفين، وأرباب المقالات من الملّة الإسلامية، والتنبيه على مقالة كل فريق، وفى خلال ذلك يلوح الكفر من الإيمان.
فنقول: اعلم «1» أن المسلمين كانوا عند وفاة النبي صلى اللّه عليه وسلم ملة واحدة، وعلى عقيدة واحدة، غير من كان يبطن النفاق، ويظهر الوفاق- ثم نشأ الخلاف فيما بينهم.
[نماذج من الاختلافات التى استطاع المسلمون التغلب عليها]
أولا: في أمور اجتهادية، كان غرضهم منها، إقامة مراسم الشّرع، وإدامة مناهج الدين، لا توجب إيمانا، ولا تكفيرا: وذلك كاختلافهم عند قول النبي- صلى اللّه عليه وسلم- في مرض موته: (آتونى بداوة وقرطاس اكتب لكم كتابا لا تضلوا .. ) حتى قال عمر- رضي اللّه عنه- إنّ النبي- صلى اللّه عليه وسلم- قد غيبه الوجع حسبنا كتاب الله وكثر اللغط في ذلك حتى قال النبي- صلى اللّه عليه وسلم-: «قوموا عنى لا ينبغى عندى التنازع» «2» . وكاختلافهم بعد ذلك في التخلف عن جيش أسامة، وقد قال النبي- صلى اللّه عليه وسلم-: «جهزوا جيش أسامة لعن من تخلف عنه» «3» .
حتى قال قوم بوجوب الإتباع، وقال قوم بالتخلف، انتظارا لما يكون حال رسول الله- صلى اللّه عليه وسلم- في مرضه.
(1) جرت عادة المتكلمين وكتاب الفرق على ذكر أسباب افتراق الأمة، ومنشأ الخلاف بينها وقد استفاد الآمدي ممن سبقه، وأثّر فيمن أتى بعده. انظر: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ص 34 وما بعدها. الفرق بين الفرق للبغدادى ص 4 وما بعدها. والملل والنحل للشهرستانى 1/ 21 وما بعدها فقد اختصر الآمدي ما كتبه الشهرستانى في الملل والنحل في هذه المقدمة وانظر أيضا اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازى (كله في هذا الموضوع) . والتبصير في الدين لأبى المظفر الأسفراييني ص 12 وما بعدها. وممن استفاد من الآمدي ونقل عنه شارح المواقف الشريف الجرجانى فقد نقل نص الآمدي من أول قوله قائلا: «قال الآمدي: كان المسلمون عند وفاة النبي صلى اللّه عليه وسلم. إلى قوله حتى تفرق أهل الإسلام وأرباب المقالات فيه إلى ثلاث وسبعين فرقة» (الأبكار 2/ ل 243/ ب إلى ل 244/ أ) . وهذا يؤكد ما ذهبت إليه من أنّ الإيجى لخص كتاب الأبكار في كتابه المواقف. كما أن شارح المواقف الشريف الجرجانى قد اعتمد في شرحه على الأبكار أيضا.
(2) قارن بما ورد في الملل والنحل للشهرستانى 1/ 22، وتذييل شرح المواقف للجرجانى ص 1 والحديث في الطبقات الكبرى 2/ 242 وما بعدها (باب في ذكر الكتاب الّذي أراد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أن يكتبه في مرضه الّذي مات فيه) وقد رواه ابن سعد عن عمر رضي اللّه عنه.
(3) قارن بما ورد في الملل والنحل للشهرستانى في 1/ 23، وتذييل شرح المواقف ص 1 والحديث أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى بلفظ مقارب 2/ 48 وما بعدها باب ما قاله رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في مرضه لأسامة بن زيد.