[مذهب أهل الحق]
قد بيّنا أن مذهب أهل الحق: أن أصل الثواب والعقاب على الطاعة والمعاصى غير واجب عقلا على ما تقدم في الفصل الّذي قبله «1» . وكذلك الحكم في دوامه؛ إذ يستحيل أن يكون دوامه واجبا عقلا، وأصله غير واجب؛ بل وجوب دوامه إنما وقع مستفادا من السمع؛ إذ القرآن «11» // والسنة مشحونان بخلود نعيم أهل الجنّة، وعذاب الكفّار.
[مذهب المعتزلة]
وأما المعتزلة: فإنهم قالوا بوجوب دوام نعيم المؤمنين، وعذاب الكفار عقلا، ونقل عن الصاحب بن عباد «2» أنه قال: إنّما يجب خلود نعيم من علم الله- تعالى- منه أنه لو أبقاه في دار الدّنيا؛ لبقى على إيمانه، وكذلك إنّما يجب خلود عذاب من علم الله- تعالى- منه أنّه لو أبقاه في الدّنيا أبدا؛ لبقى على كفره أبدا، ولا يخلد من لم يعلم منه ذلك. وسنبين بعد الفراغ من حكاية شبه المعتزلة على مذهبهم، وإبطالها، ضعف مقالة ابن عباد على أصول المعتزلة، وتناهيها في الفساد.
[حجج المعتزلة]
وقد احتج المعتزلة على مذهبهم بحجج، منها ما يعمّ الخلودين، ومنها ما هو خاص بأحدهما دون الآخر.
أما الحجة العامة: فهو أنهم قالوا/ الموجب لاستحقاق الثّواب؛ هو الموجب لاستحقاق الثناء والمدح، وكذلك الموجب لاستحقاق العقاب؛ هو الموجب لاستحقاق الذّم والتّوبيخ.
(1) راجع ما سبق في الفصل الأول ل 227/ أ.
(11) // أول ل 126/ أ.
(2) هو إسماعيل بن عباد بن العباس أبو القاسم الطالقانى: ولد في الطالقان (من أعمال قزوين) وإليها نسبته سنة 326 ه وتوفى بالرى ونقل إلى أصبهان فدفن بها سنة 385 ه استوزره مؤيد الدولة ابن بويه، ولقب بالصاحب لصحبته مؤيد الدولة من صباه؛ فكان يدعوه بذلك. كان من نوادر الدهر علما وفضلا وتدبيرا وجودة رأى له تصانيف جليلة، وشعر جيد (له ديوان مطبوع) وكتبت عنه كتب وطبعت [معجم الأدباء لياقوت الحموى 2/ 273 - 343 والأعلام للزركلى 1/ 316] .