أمّا حقيقة العلم: فقد اختلف العلماء في العبارات الدّالّة عليها.
فقال بعض المعتزلة «2» : العلم اعتقاد الشيء على ما هو عليه.
وهو باطل بالمعتقد عن تقليد وجود الرّبّ تعالى؛ فإنّه معتقد للشىء على ما هو عليه، وليس اعتقاده علما. «3» وهذا ممّا لا يندفع وإن زيد في الحدّ: مع سكون النّفس إليه «3» . ثم إنّه يخرج منه العلم بالمعدوم المستحيل الوجود؛ فإنّه علم، وما تعلّق به ليس بشيء بالاتفاق.
ومنهم «4» من زاد في الحدّ: إذا وقع عن ضرورة أو دليل. وهذه الزّيادة، وإن اندفع بها الإشكال الأول فلا يندفع بها الإشكال الثّاني.
ومن زعم أن العلم لا يتعلّق بالمعدوم المستحيل الوجود؛ فحكمه بذلك علم تصديقى، والعلم التّصديقى يستدعى علمين تصوريين، وأحد التّصورين المعدوم المستحيل الوجود؛ فيكون مناقضا لقوله: والعلم التّصديقى. مع كونه مكابرا للبديهة، وما يجده كلّ عاقل من نفسه من العلم باستحالة الجمع بين النفى والإثبات، وهو غير متصوّر مع كون النفى غير معلوم.
(1) عن حقيقة العلم وآراء العلماء فيه: انظر المغنى للقاضى عبد الجبار ج 12. ص 13 - 22. ط أولى نشر المؤسسة المصرية حيث يعرض آراء متقدمى المعتزلة، ثم يرد عليها. كما يعرض آراء متقدمى الأشاعرة- الواردة هنا- كالأشعرى، والباقلانى، وابن فورك. عرضا واضحا يدل على معرفته التامة بمذهبهم؛ فقد عاش شبابه بينهم قبل تحوله إلى الاعتزال. ثم يرد عليهم.
وانظر الإنصاف للباقلانى. طبع الخانجى ص 13. والتمهيد له أيضا طبع دار الفكر العربى ص 34 وأصول الدين للبغدادى. طبع مطبعة الدولة باستانبول ص 5، 6 والإرشاد لإمام الحرمين. نشر الخانجى ص 12، 13 والمحصل للرازى. طبع الحسنية ص 69 ومعالم أصول الدين له أيضا ص 5 على هامش المحصل.
وانظر شرح المواقف للجرجانى. ط دار الطباعة العامرة ص 29 - 36 حيث يختصر صاحب المواقف ما أورده الآمدي مفصلا هنا. وأيضا شرح المقاصد للتفتازانى. ط دار الطباعة العامرة باستانبول ص 13 - 15.
(2) القائل: هو الكعبى، انظر أصول الدين للبغدادى ص 5.
(3) من أول (و هذا مما لا يندفع ... ) ساقط من ب. أما صاحب الزيادة: فهو أبو هاشم. انظر أصول الدين للبغدادى ص 5.
(4) هو الجبائى، انظر أصول الدين للبغدادى ص 5.