لا نعرف خلافا في جواز كون العلم النّظرى مستندا إلى علم ضرورى، أو إلى علم نظرى يستند في الآخرة إلى علم ضرورى.
وإنّما الخلاف في جواز استناد العلم الضّرورى إلى النّظري، أو إلى ضرورى آخر. أما استناد العلم الضّرورى إلى النظرى «1» ؛ فقد اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من جوّزه اعتمادا منه على أنّ العلم باستحالة اجتماع الضّدين ضرورى، والتّضاد لا يكون إلا بين الأعراض. والعلم بوجود الأعراض نظرى لا ضرورى؛ فالعلم باستحالة اجتماع الأضداد «2» ضرورى؛ وهو مستند إلى العلم بوجود الأضداد؛ وهو نظرى؛ ولهذا فإن «3» من لا يعلم وجود الأضداد، لا يحكم باستحالة اجتماعها.
وأنكره الباقون: من حيث أن العلم الضّرورى لا خلوّ للنفس عنه. بخلاف العلم النظرى فإنه لا يمتنع الخلوّ عنه بتقدير عدم النظر. فلو كان العلم الضرورى مستندا إلى العلم النّظرى؛ لأفضى إلى جواز خلو النفس عن الأصل مع امتناع خلوها عن التابع؛ وهو محال.
ثمّ اختلف هذا الفريق في الجواب عن مستند الفريق الأول:
فمنهم من قال بأنّ العلم باستحالة اجتماع الضّدين نظرى، وليس بضرورى، ولهذا يحسن إقامة الدّليل عليه على من قال: بجواز اجتماع الحركة، والسّكون. والسّواد، والبياض في محلّ واحد من أرباب الكمون والظّهور «4» .
(1) انظر المواقف للإيجي ص 147 وشرح المقاصد للتفتازانى 1/ 172.
(2) في ب (الدين) .
(3) في ب (قال) .
(4) والذين اشتهروا بهذا الاسم هم النظامية أتباع النّظّام؛ إذ أن الخلق عند النّظّام فعل واحد؛ فالله خلق الدنيا جملة، والموجودات خلقت كلها دفعة واحدة؛ ولكن بعضها يكون كامنا في بعض، وبمرور الزمن تخرج أنواع المعادن، والنبات، والإنسان من مكامنها.
(انظر الملل والنحل 1/ 56 وتاريخ الفلسفة في الإسلام لديبور ص 47) .