أجمع العقلاء على وجود المكان؛ خلافا لطائفة من قدماء الفلاسفة فإنهم أنكروا وجود المكان، وانكارهم يقارب جحد الضرورة وما هو المستقر في الأذهان والعقول من الحكم بأن كذا في مكان كذا ويدل عليه أمران:
الأول: أنا قد نشاهد بعض الأجسام في بعض الأوانى وزواله عنه، وتعاقب آخر له فيه.
ونعلم ضرورة أن الجسم الثانى قد حل في مكان الأول حالا فيه، وليس ذلك المحل من ذاتيات أحد الجسمين، ولا عرضياته اللازمة، وإلا لما تصور فيه الاستبدال
/ فإذن هو أمر خارج؛ وهو المعنى بالمكان «2» .
الثانى: هو أنا قد نشاهد حركة الجسم، وانتقاله من جهة إلى جهة أخرى، وذلك لا يتصور إلا بالانتقال من شيء إلى شيء وليس ما عنه الانتقال، وإليه من الصفات الذاتية والعرضية اللازمة.
إذ لا انتقال عنها؛ فما عنه الانتقال وإليه؛ هو المعنى بالمكان.
فإن قيل: الحركة «3» والانتقال لا تتوقف على المكان لوجهين:
(1) لمزيد من البحث والدراسة بالإضافة إلى ما أورده الآمدي هاهنا:
انظر مقالات الإسلاميين للأشعرى 2/ 116.
والشامل في أصول الدين للجوينى ص 444 وما بعدها.
والمواقف للإيجي ص 113 - 120 وشرح المواقف للجرجانى 5/ 115 - 162.
المقصد التاسع: المكان وهو من الكم المتصل.
وشرح المقاصد للتفتازانى 2/ 52 - 64 المبحث الثالث: في المكان.
وشرح مطالع الأنظار للأصفهانى ص 81 - 85 المبحث الخامس: في المكان.
(2) المكان: عرفه الآمدي فقال: «و أما المكان: فعبارة عن السطح الباطن من الجرم الحاوى المماس للسطح الظاهر من الجرم المحوى. كالسطح الباطن من الكوز المماس للسطح الظاهر من الماء الموضوع فيه» .
[المبين للآمدى ص 96] .
(3) الحركة: عرف الآمدي الحركة فقال: «و أما الحركة: فعبارة عن كمال بالفعل لما هو بالقوة من جهة ما هو بالقوة؛ لا من كل وجه؛ وذلك كما في الانتقال من مكان إلى مكان، والاستحالة من كيفية إلى كيفية» .
«و أما السكون: فعبارة عن عدم الحركة فيما من شأنه أن تكون فيه تلك الحركة» [المبين للآمدى ص 95] .