وأعلم أن من لم يثبت المماسة، كونا دائما بالجوهر [مغايرا للكون المخصّص للجوهر بحيزه «1» ] : كالقاضى أبى بكر ومن نصر مذهبه؛ أطلق القول بتضاد كل لونين «2» .
وذلك لأن كل كونين: إما أن يوجبا تخصيص الجوهر بحيّز واحد، أو أن كل واحد منهما يوجب التخصيص بحيّز غير الحيّز الآخر
فإن كان الأول: فهما متماثلان، والمتماثلان ضدّان؛ ولا يتصور اجتماعهما، بل وجودهما في الجوهر لا يكون إلا بجهة التعاقب عليه، كما إذا كان مستقرا في حيز أكثر من زمان؛ فالكون المتجدّد في الزمان الثانى؛ يكون مثلا للكون الموجود في الزمان الأول؛ لقيام كل واحد منهما مقام الآخر في تخصيص الجوهر بذلك الحيّز.
وإن كان الثانى: فقد اختلف المتكلمون فيه.
فمنهم من قال: بتماثلهما؛ لتماثل الحيّزين.
ومنهم من قال: باختلافهما؛ لاستحالة قيام أحدهما مقام الآخر؛ وهو الحق.
وعلى كل تقدير؛ فهما ضدان «3» لا يجتمعان.
فإنهما لو اجتمعا في جوهر واحد: فإما أن يثبت تخصيص كل واحد منهما، أو تخصيص أحدهما دون الآخر، أو لا يثبت تخصيص واحد منهما.
فإن كان الأول: لزم كون الجوهر الواحد في حيّزين معا. وهو محال.
وإن كان الثانى: فليس أحدهما أولى من الآخر.
(1) ساقط من أ.
(2) قارن بما ورد في الشامل في أصول الدين للجوينى ص 462.
(3) الضدان: صفتان وجوديتان يتعاقبان في موضع واحد، يستحيل اجتماعهما كالسواد والبياض، والفرق بين الضدين والنقيضين: أن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان: كالعدم والوجود، والضدين لا يجتمعان؛ ولكن يرتفعان:
كالسواد والبياض. [التعريفات للجرجانى ص 155] .