فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 2175

وكان للآمدى وتلاميذه دور بارز في شجب هذا الصنيع، يقول ابن واصل «و لمّا ورد الخبر إلى دمشق بتسليم القدس إلى الفرنج؛ أخذ الملك الناصر في التشنيع على عمه الملك الكامل، وتقدّم إلى الشيخ شمس الدين يوسف سبط ابن الجوزى الواعظ (تلميذ الآمدي) - وكان له قبول عند الناس- في الوعظ في أن يجلس بجامع دمشق للوعظ، ويذكر فضائل القدس، وما ورد فيه من الأخبار، والآثار، وأن يحزّن الناس، ويذكر ما في تسليمه إلى الكفّار من الصّغار للمسلمين والعار، وقصد بذلك تنفير الناس من عمه؛ ليناصحوه في قتاله؛ فجلس شمس الدين للوعظ كما أمره، وحضر الناس لاستماع وعظه، وكان يوما مشهودا، وعلا يومئذ ضجيج الناس وبكاؤهم، وعويلهم ... فلم ير في ذلك اليوم إلا باك، أو باكية» «1» .

ويؤكد سبط ابن الجوزى ما أورده ابن واصل فيقول في كتابه مرآة الزمان «و أشار الملك الناصر داود بأن أجلس بجامع دمشق، وأذكر ما جرى على بيت المقدس؛ فما أمكننى مخالفته؛ فرأيت من جملة الدّيانة الحميّة للإسلام وموافقته؛ فجلست بجامع دمشق، وحضر الناصر داود على باب مشهد على، وكان يوما مشهودا، لم يتخلف من أهل دمشق احد» «2» .

وبعد أن تم للأشرف ما أراد، واستقرّ بدمشق أعلنها حربا شعواء على رجال دولة الناصر حتى هرب معظمهم، واستغل التعصب المذهبى لدى بعض أصحاب المذاهب أسوأ استغلال؛ فاستقطب جماعة من الفقهاء، والظاهريين، والصوفية معه، وأراد إرضاءهم، وإرضاء العامة، وبالتالى يغطى على جريمته الشنعاء.

وقد كان المعظم عيسى، وابنه الناصر داود يتميزان بسعة الأفق، وبمحبة العلم وأهله، واشتهر عن الناصر بأنه يقرب الفلاسفة إليه؛ بل إنه طلب من الآمدي أن يؤلف له (فرائد الفوائد) ؛ فألّفه بناء على اقتراحه كما مر؛ فانتهز الأشرف هذه الفرصة في التشنيع على عهد الناصر، وأبيه المعظم، وأعلنها حربا شعواء على من بقى بدمشق من رجال عهده- وعلى رأسهم الآمدي-؛ فانتهز حسّاد الآمدي وهم كثر- ومخالفوه هذه الفرصة، والتفّوا حول السلطان؛ لكى يصلوا إلى أهدافهم، وأصدروا الفتاوى التى تبرّر للأشرف

(1) مفرج الكروب 4/ 245، 246.

(2) مرآة الزمان 8/ 432.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت