أما النص: فقوله عليه- الصلاة والسلام- لعائشة- رضى الله عنها-: «ثوابك على قدر نصبك» «1» .
وأما المعنى: فهو أن زيادة المشقة، لو لم تقتض زيادة الثواب؛ لكان التكليف بها، وتحملها خليا عن المقصود، متجردا عن الحكمة؛ وهو ممتنع.
الثالث: أن عبادات الملائكة أسبق لا محالة من عبادات البشر، والسابق إلى العبادة أفضل من المسبوق لقوله- تعالى-: والسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ* أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ «2» .
الرابع: أن اشتغال الملائكة بالعبادة دائم، غير منقطع على ما سبق، وذلك لا يقع معه الإقدام على المعصية، والأنبياء وإن كانوا معصومين من الكبائر؛ فغير معصومين من الصغائر، كما سبق، وقوله عليه- الصلاة والسلام- «ما منا إلا من عصى، أو هم بالمعصية إلا يحيى بن زكريا» «3» . فكانت الملائكة لذلك أتقى والأتقى أفضل؛ لقوله
(1) أخرجه الإمام البخارى في صحيحه- كتاب العمرة- باب أجر العمرة على قدر النصب. فتح البارى 3/ 779 عن عائشة وضى الله عنها.
كما أخرجه مسلم- كتاب الحج- باب بيان وجوه الإحرام، وأنه يجوز أفراد الحج ... الخ. 2/ 877 ط عيسى الحلبى- ت محمد فؤاد عبد الباقى.
(2) سورة الواقعة 56/ 10، 11.
(3) يحيى بن زكريا عليه السلام: هو يحيى بن زكريا بن مسلم بن صدوق ... ويصل نسبه إلى نبى الله سليمان بن داود عليهم السلام. وهم من سبط يهوذ بن يعقوب عليه السلام.
وقد ذكر اسم يحيى في القرآن الكريم في السور التالية (آل عمران والأنعام ومريم والأنبياء) .
وقد ورد الثناء عليه في قوله- تعالى-: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا* وحَنانًا مِنْ لَدُنَّا وزَكاةً وكانَ تَقِيًّا* وبَرًّا بِوالِدَيْهِ ولَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا سورة مريم 19/ 12 - 14.
وأعطى النبوة وهو ابن ثلاثين سنة وآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا سورة مريم 19/ 12.
كما وصفه الله بأعظم الصفات وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ سورة آل عمران 3/ 39.
وكان عليه السلام ابن خالة عيسى بن مريم عليهما السلام. ويسميه النصارى (يوحنا) ويلقبونه (المعمدان) وقد عمد يحيى المسيح في نهر الأردن وقد قتله حاكم فلسطين (هيرودس) لما عارضه في الزواج من ابنة أخيه وهو زواج محرم عندهم. كما قتل معه عددا كبيرا من العلماء الذين أنكروا قتل يحيى، ومنهم (زكريا) عليه السلام والده.
وهذا الحديث الّذي ذكره المصنف أورده الإمام أحمد عن ابن عباس- رضي اللّه عنه- أن رسول الله- صلى اللّه عليه وسلم- قال: (ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئته ليس يحيى بن زكريا، وما ينبغى لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى) . كما ورد في فضله. قال ابن وهب: حدثنى ابن لهيعة .... عن ابن شهاب، قال: خرج رسول الله- صلى اللّه عليه وسلم- على أصحابه يوما وهم يتذاكرون فضل الأنبياء فقال قائل: موسى كليم الله. وقال قائل: عيسى روح الله وكلمته. وقال قائل: إبراهيم خليل الله. وهم يذكرون ذلك فقال: «ابن الشهيد ابن الشهيد يلبس الوبر ويأكل الشجر مخالفة الذنب» قال ابن وهب: يريد يحيى بن زكريا عليه السلام- [قصص الأنبياء ص 537 - 551 والنبوة والأنبياء ص 311 - 316] .