فهرس الكتاب

الصفحة 1696 من 2175

ذلك على طريق الاستعلام، والاستفهام كقوله- تعالى-: لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ «1» ؛ بل إنما ذكروا ذلك- وإن كانت صورته صورة استفهام- على طريق الإثبات؛ تصديقا لله- تعالى- فيما أخبرهم به. وذلك أن الله- تعالى- أخبرهم بأنه يجعل في الأرض من يفسد فيها، ويسفك الدماء، فقالوا تصديقا له- تعالى- أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ «2» ، والمراد به تجعل، ويجوز في لغة العرب أن يطلق ما لفظه لفظ الاستفهام، والمراد به الإثبات. قال جرير:

أ لستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح

أى أنتم خير من ركب المطايا. وقد قال بعض أهل التفسير: إنما ذكروا ذلك على طريق التعجب عند أنفسهم من ذلك. وعلى كل تقدير فلا يكون ذلك منهم بطريق الإنكار.

وعلى هذا: فقد اندفع ما ذكرتموه من الوجه الثانى، والثالث أيضا.

وقولكم في الوجه الرابع: إنهم ذكروا ذلك على طريق الترفع، والتعجب؛ ليس كذلك.

بل إنما ذكروه على طريق الإخبار بالانقياد لله- تعالى والطاعة، والتعظيم لشأنه، والتذلل بين يديه، كما في قول الواحد منا لغيره إذ أراد التذلل بين يديه، أنا عبدك وخديمك وقائم بخدمتك.

وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على وقوع الذنوب من الملائكة؛ فهو معارض بما يدل على عدمه، وبيانه من وجهين:

الأول: قوله- تعالى- في صفة الملائكة يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ «3» .

ومن هذا صفته؛ لا يتصور صدور الذنب منه؛ لأنه في حالة صدور الذنب منه؛ يستدعى الفتور في التسبيح؛ وهو خلاف مدلول الآية.

(1) سورة الأنبياء 21/ 27.

(2) سورة البقرة 2/ 30.

(3) سورة الأنبياء 21/ 20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت