وإن كانت دلالة الدليل إضافية: فإذن العلم بدلالة الدّليل، والعلم بالمدلول تابعان للعلم بوجه دلالة الدّليل، وأحدهما ليس تابعا للآخر؛ بل يقعان معا تبعا للعلم بوجه دلالة الدليل. وهل العلم بالمدلول متأخر عن العلم بوجه دلالة الدليل، أو معه؟ فقال قوم بالتأخير؛ لأنّ العلم بوجه دلالة الدّليل من أركان النظر، والنّظر مضاد للعلم بالمدلول؛ فلو جاز أن يكون مع ركن من أركان النظر؛ لجاز أن يكون مع النظر.
والحق ما ارتضاه القاضى: وهو أنّ النّظر بحث عن وجه دلالة الدّليل وبعد العثور عليه؛ فالنظر يكون مقتضيا، وليس ركنا منه؛ فلا يمتنع أن يكون العلم بالمنظور فيه، مع العلم بوجه دلالة الدليل، متعقبان للنظر، ولا يمتنع اجتماع العلوم المختلفة، كما سبق في قاعدة العلم «1»
وعن الشبهة الثالثة عشرة: أنا إن قلنا: إنّ النظر شرط للعلم بالمنظور فيه؛ فلا نعنى به غير أن العلم بالمنظور فيه؛ متوقّف عليه.
وإن قلنا: إنه ليس بشرط؛ فلا يلزم أن يكون غير متوقف عليه؛ فإنّ ما يتوقّف عليه الشيء أعمّ من كونه شرطا.
وعن الشبهة الرابعة عشرة: فالمختار «2» أنّ مدلول الدّليل، وجود الصانع، ومع ذلك فلا نسلم أنّ الدليل يوجب المدلول، ولا يولده، ولا يتضمنه؛ بل هو متعلق به؛ والتعلق «3» أعم مما ذكر «3» .
والّذي يقول بكونه متضمّنا: إنما هو العلم بوجه الدليل، للعلم بالمدلول، فالنسبة بين الدليل والمدلول بالتعلّق، وبين العلم بوجه الدليل، والعلم بالمدلول بالتّضمين.
وعن الشبهة الخامسة عشرة: بمنع وجود أمر للناظر وراء علمه بالمقدمات المترتبة الترتيب المفضى إلى المطلوب، والعلم بوجه دلالة الدليل، والعلم بالمنظور فيه: وهو القدر الّذي يجده كل عاقل من نفسه؛ وليس ذلك حالا.
وإن سلمنا وجود حال/ له زائدة على ذلك؛ فلازمة من علمه بوجه دلالة الدليل؛ والعلم بوجه دلالة الدليل واحد لا تعدّد فيه.
(1) انظر ل 8/ أ.
(2) في ب (المختار) .
(3) في ب (و التعلم أعم مما ذكرنا) .