وما السبب في كل ذلك الضلال؛ هو شيء واحد هو أن الله سبحانه وتعالى أعطاه الملك؛ ولذلك قال تعالى: (أَنْ آتَاهُ اللَّهَ الْمُلْكَ) أي أن سبب تلك المحاجة التي تدل على مقدار ضلاله وطغيانه هو أن الله سبحانه وتعالى آتاه أي أعطاه الملك والسلطان الدنيوي وهو زائل فقوله: (أَنْ آتَاهُ اللَّهَ الْمُلْكَ) مجرور بحرف جر محذوف هو الباء أو اللام، أي أن الذي بعثه على ذلك الإسراف في القول الوقوع في هذا الضلال هو نعمة الملك التي أنعم الله بها عليه فجعلته مسرفًا في الضلال ذلك الإسراف المردي.
وفى الكلام إشارة إلى أن هذا ما كان يسوغ له أن ينكر وأن يحاج في إنكاره، لأنه يحاج في موضوع لَا يقبل الجدل والمناقشة، لأنه يناقش في ربه خالقه وخالق كل شيء، فالضمير في"ربه"يعود إلى ذلك الملك الطاغي المتجبر، ويصح أن يعود الضمير إلى إبراهيم وإني اختار الأول، لأن الطاغية هو المتحدث عنه فالضمير يعود إليه.
(إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) هذا كلام نبي الله إبراهيم وخليله، كلام معترف بالربوبية عرف ربه بأوضح ما يعرف به وبأروع آثار قدرته في هذا الوجود وبأبعدها أثرًا في نفس العاقل المتفكر المتدبر وهو الحياة والموت لأنهما أشد الأمور أثرًا في نفس كل إنسان ذي حس وشعور وعقل وأفاد القول صيغة الحصر إذ قال سبحانه: (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) وفي ذلك تعريف المبتدأ والخبر وتعريفهما يفيد القصر، فالمعنى أنه وحده سبحانه هو الذي يحيي ويميت ولا أحد سواه يفعل ذلك. ومعنى يحيي ينشئ الحياة ويوجدها، ومعنى يميت يوجد تلك الحقيقة التي تفقد الجسم معنى الحياة. والتعبير بالمضارع يفيد معنى الاستمرار الذي يرى ويحس كل يوم، فالمعنى أن ربي وخالقي هو الذي يحيي الناس كل يوم كما ترى ويميت منهم كل يوم من ترى.
هذا كلام إبراهيم وهو يحوي حجة قوية واضحة من شأنها أن تثير في النفس نزوع الاتجاه إلى الحق، لأنها تشير مع ذلك إلى حقيقة الحياة وهي أنها إلى فناء، فلا يصح أن يغر الشخص بها الغرور ولا يذهب به الطغيان إلى إنكار ربوبية الخالق.