رأيت كإبراهيم في هدايته ومحاجَّته(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى
عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا)في تشبيته وحُسن تلقينه
الهداية والإرشاد، وما يكون من معنى هذا.
ويمكن أيضًا أن يكون تعجيبًا من الجبار الذي آتاه الله الملك في ضلالته
وعسر انقياده، وإعراضه عن الحق بعد البيان عجب منه أن آتاه الله الملك ثم حاج
في ربه، ويدعي الربوبية من دونه، كما قال جل قوله: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ
مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) . الآن آتيناه الملك وأقعدناه مقعد التمكين
من قبل، وجعل يحاج إبراهيم هنا ويقول: هل رأيت هكذا، أو كالذي مرَّ على قرية،
وهو بوجهٍ يعطي تقلب المعنى الأخير، وبوجه وهو الأظهر للمعنى الأول، وإنما
يرجحه قوله: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) .
(فصل)
ذكر أن المذكور في هذه القصص المبتلى بهذه المحنة كان نبيا، وأنه دانيال أو
أرمياء أو عزيرًا - عليهم السلام - أو غيرهم والله أعلم، غير أنه ممن يخاطب بهذا
ويريه الله من آياته أنها بالله - عز وجل - ، وبما جاء من عند اللَّه سؤاله ذلك"أعني: قوله:(أَنَّى"
يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) ويعيدها بعد خرابها، ذلك ظاهر ليس منه
بمعنى الشك في أن الله يحيي قرية بعد موتها، فذلك خاطر معدوم عند أهل التوسط
في الإيمان، فكيف بمن هو أهل للنبوة؟!
وإنما هو خاطر يعرض لأهل المكاشفات بالآيات الذين عودهم جلَّ ذكره أن
يجري على أيديهم قدرته الفائقة، وخرق العادات قبل مشاهداتها تحقيرًا منهم
لأنفسهم وما رأوا عليها حتى يكون الله هو المعدد ذلك من لدنه، وذلك مشهور
من قولهم:"إياك أن تترقى من ذات نفسك صدقًا حتى يكون الله - جلَّ جلالُه - يرقيك إليه"بل
شأنهم الوقوف عند جدهم، والسلوك على سبيل السنة، وشاهده جري العادة في
المقدور الحاضر.
كذلك فعل زكريا - عليه السلام - لما نادته الملائكة عليهم السلام (وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي