وقال الله - عز وجل -: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ...)
و (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ(20) .
وكما أن بين كل سماءين من هذا دوائر أفلاك أو ما يقوم مقام ذلك في تنزل
الأمر، وكلما ظهر فيما هَاهُنَا - أعني: دون السماء - فهو له على وجود فاعل، لكن
أفضل وجودًا وأوسع جدًّا وأفخم (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا
مُعْرِضُونَ (32) .
وكل يشير بل يعلم بما هو آية عليه وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي
أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) . أن في السماوات والأرض آيات
للموقنين.
(فصل)
وربما أشكل على قارئ كتابنا هذا ما يسمعه من قولنا من ذكر قُوى وطبيعة،
وإضافة فعل إلى ما لا يصح الفعل منه ولا الاختيار، فليعلم أن ذلك منَّا على سبيل
التجوز؛ لغلبة العادة الجارية في التخاطب من اختصار ذكر الفاعل الأعلى تبارك
وتعالى، وإنما الفعل لمن يملك إمضاءه، وعنه مصادره وموارده، وله أوله وآخره
وظاهره وباطنه، فله المورد والمصدر.
وهو المقدم والمؤخر، القائم على كل شيء والوكيل عليه، والمحيط به من
وراء كل حيطة، والوكيل على كل وكيل، فإنه وإن كان الاتساع في مجرى الخطاب
جائزًا معلومًا، فإن ذلك على الدوام سبب لإظلام السبيل، ومؤيد للغفلة عن النظر
إلى حقيقة التحقيق، وقد أعضل بذلك الداء في قوم حتى أفضى بهم إلى سوء
المعتقد، لأجل المداومة على ذلك، ونسيان الفاعل الأعلى الحق - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه
وشأنه.
(فصل)
في الاعتبار باختلاف الليل والنهار
وقال الله جل من قائل: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ)
وقوله جل قوله: (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي
الْأَبْصَارِ (44) .
إيلاج أحدهما في الآخر، وتقصير هذا بتطويل هذا، وتطويل هذا بتقصير هذا،
وتقليبهما - والله أعلم - هو تلونهما باختلاف القضاء؛ لتباين صور التدوير، وجماع