فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 50435 من 466147

مشدودة بالجبال الرواسي، لا تميد ميد السفينة بأهلها، فهي فراش لمن عليها

يستقرون عليها، ويتقلبون فيها، ويمشون في مناكبها، ويعيشون بما يخرجه الله - عز وجل -

لهم منها على ظهرها من زرع وثمر ولحم وشجر، فاعجب لذلك ففيه أعظم عجب،

وتذكر ففيها أبلغ مدكر.

ثم أعتبر منها إلى معرفة خالقه - جلَّ جلالُه - وتعرف من موجوداتها موجودات الآخرة،

فـ (خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) وللحق، وتذكر

بضروب ما حوته من الاختلاف في الألوان والحجارة والنبات والحيوان معرفة

صفاته وأسمائه، ثم اعتبر منها إلى الدار الآخرة؛ فتذكر غير ما هنالك بما في هذه.

(فصل)

ثُمَّ اعجب كيف لا تنخسف هذه الأرض بمن عليها على عظم جرمها، وثقل ما

تحمله على ظهرها، بل هي ساكنة لا تتحرك، وهادئة لا تتزعزع، منقادة تحمل ما

حملته، خانعة [للتسخير] فيما سخرت، لا جرم أن لها خالقًا خلقها وممسكًا أمسكها،

قادر، حكيم، كريم، حي، قيوم، مدبر، يعطي الجزيل ويسديه، ويدفع البلاء ويكفيه

كالسفينة في لج البحر، لولا ماسكها لضلت، ولولا سوقها بالريح لركدت

واستقرت، ولولا دفع الله - جلَّ جلالُه - عنها لغرقت، فاعجب لذلك، ثم اعبر عنه إلى ما

وراءه,

ثم انظر في قدرة صانعها - جلَّ جلالُه - وعجيب لطف مؤلفها، كيف فجَّر عيونها وشقق

أنهارها، وأطلع ثمارها وأنبت فيها ضروبًا بألوان ملونات ما بين أبيض ناصع وأحمر

قانٍ وأخضر باقل وأصفر فاقع، ومازج ما بين هذه الرؤوس إلى غيرها من ألوان

بديعة الأصباغ عجيبة الألوان ترود العين منها في منظر أنيق يمتع الطرف ويَسُر

النفس، وقل من ذا الذي أحياها بعد موتها، وقلبها من حال همودها بالجدب إلى

الاهتزاز والابتهاج والاخضرار؟.

ثم إلى هذه الأزاهير والنواوير، ثم إلى ثمرات مختلف ألوانها، كلا والكريم

الجليل الحكيم ما أحياها إلا الحي الدائم الذي لا يموت، محيي الموتى ومميت

الأحياء، ولا بعثها على إبداء ما أوجدها إلا باعث أهل الأرض والسماء بعدما

يذيقهم الردى، ولا قلبها عن حالها في همودها وأقامها على أمرها إلا حي قيوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت