وسابعها: قلت: الآية الأولى مشتملة على تكليف خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم {فلنولينك قبلةً ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام} ثم على تكليف عام له ولأمته {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} والآية الثانية {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام} لأجل تكليف أخص وهو تكليف الالتفات عما سوى الله إلى الله وهو تكليف الصدّيقين وهو سنة خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم {وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض} [الأنعام: 49] ومما يؤيد هذا التأويل تعقيبه بقوله {وإنه للحق من ربك} لم يستظهر على هذا إلا بشهادة نفسه حيث لم يبق إلا هو وهو مقام الفناء فِي الله بخلاف الآية الأولى فإنها أكدت بشهادة الغير . وأيضاً اقتصر ههنا على أمر النبي صلى الله عليه وسلم دون الأمة لأن هذه المرتبة وهي المسجد الحرام - حرام لا يليق بكل أحد جل جناب الحق عن أن يكون شريعة لكل وارد أو يطلع عليه إلا واحد بعد واحد . وأيضاً قدم على الآية قوله {ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات} فدل على أن المذكور بعدها مرتبة السابقين {ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} [فاطر: 32] لما كان من المحتمل أن يظن أن التكليف الأخص ناسخ للتكليف الخاص منه والعام له ولأمته ، كرر الآية الأولى بعينها ليعلم أن حكمها باقٍ بالنسبة إلى عموم المكلفين والله تعالى أعلم بحقائق الأمور .