والشك غير متوقع من الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ولذلك قال المفسرون إن النهي موجه إلى الأمة في شخص نبيّها صلّى الله عليه وسلّم إذ كان فيها حديثو عهد بكفر يخشى عليهم أن يفتنوا بزخرف من القول يروج به أهل الكتاب شبها تعلق بأذهان من لم يرسخ الإيمان في قلوبهم.
وقد وضح ابن جرير - رحمه الله - هذا المعنى بقوله:
فإن قال لنا قائل: «أو كان النبي صلّى الله عليه وسلّم شاكا في أن الحق من ربه أو في أن القبلة التي وجهه الله إليها حق من الله - تعالى - حتى نهى عن شك في ذلك فقيل له: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ.
قيل: ذلك من الكلام الذي تخرجه العرب مخرج الأمر أو النهي للمخاطب به، والمراد به غيره
كما قال جل ثناؤه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ ثم قال وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً فخرج الكلام مخرج الأمر للنبي صلّى الله عليه وسلّم والنهي له. والمراد به أصحابه المؤمنون به.
-ثم قال تعالى: لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ.
أي: ولكل أهل ملة فبلة يتجهون إليها في عباداتهم، فسارعوا أنتم جهدكم إلى ما اختاره الله لكم من الأعمال التي تكسبكم سعادة الدارين، والتي من جملتها التوجه إلى البيت الحرام.
ثم ساق الله - تعالى - وعدا لمن يطيع أمره، ووعيدا لمن ينصرف عن الخير. فقال - تعالى -: يْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً.
أي: في أي بقعة يدرككم الأجل، وتموتون فيها، يجمعكم الله - تعالى - يوم القيامة.
لتقفوا بين يديه للحساب، لأنه - سبحانه - قادر على جمعكم بعد مماتكم من قبوركم حيث كنتم، وإن تفرقت أجسادكم وأبدانكم، كما أنه - سبحانه - قدير على كل شيء ، وما دام الأمر كذلك، فبادروا بالأعمال الصالحة شكرا لربكم، وحافظوا على قبلتكم، حتى لا تضلوا كما ضل اليهود ومن على طريقتهم في الكفر والعناد.