{فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} ؛ أي: فبادروا - يا أمة محمد - إلى الطاعات والأعمال الصالحة، وقبول أوامرها، من التوجه إلى القبلة وغيره مما تنال به سعادة الدارين. {أَيْنَ مَا تَكُونُوا} ؛ أي: في أي موضع تكونوا من برٍّ أو بحرٍ أنتم وأعداءكم من موافق ومخالف، مجتمع الأجزاء ومفترقها {يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا} ؛ أي: يبعثكم الله جميعًا، ويحشركم إلى المحشر يوم القيامة للمجازاة، فيجازيكم على أعمالكم خيرًا أو شرًّا، أو أينما تكونوا من أعماق الأرض، وقلل الجبال يقبض أرواحكم، أو أينما تكونوا من الجهات المتقابلة .. يأت بكم الله جميعًا، ويجعل صلواتكم كأنّها إلى جهةٍ واحدة {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ} شاءه مِنْ جَمْعِكم وغيره {قَدِيرٌ} ؛ أي: قادر يقدر على الإعادة بعد الموت، والإثابة لأهل الطاعة، والعقاب لمستحق العقوبة.
ومعلومٌ أن مثل هذه الجملة المصدّرة بإن تجيء كالعلةِ لِما قبلَها، فكأن المعنى: إتيان الله بكم جميعًا لقدرته على ذلك.
149 - {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ} ؛ أي: وفي أي مكانٍ خرجت إليه يا محمد لسفرٍ، أو غزو. وقرأ عبد الله بن عمير: {وَمِنْ حَيْثُ} بفتح المثلثة تخفيفًا، {فَوَلِّ وَجْهَكَ} ؛ أي: فاصرف، وحول، ووجه ذاتك في صلاتك {شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} ؛ أي: تلقاء المسجد الحرام وجهة الكعبة. {وَإِنَّهُ} ؛ أي: وإن التولي إلى المسجد الحرام في الصلاة {لَلْحَقُّ} ؛ أي: للأمر الموافق للحكمة الثابت الذي لا يعرض له نسخ، ولا تبديل حال كونه واقعًا {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} قرأ أبو عمرو: {يعملون} بالياء على الغيبة، وهو راجع للكفار؛ أي: من إنكار أمر القبلة، والباقون: {تعملون} بالتاء على الخطاب؛ أي: ليس هو بساهٍ عن أعمالكم، ولكنه محصيها لكم وعليكم، فيجازيكم بها يوم القيامة.