والقرآن يذكر البشر الذين يخدعهم سكون الدابة وسلامة مقادتها , ويغريهم الأمان بنسيان خالقها ومروضها . يذكرهم بهذه الجمحات التي لا يملكون من أمرها شيئا . والأرض الثابتة تحت أقدامهم ترتج وتمور , وتقذف بالحمم وتفور . والريح الرخاء من حولهم تتحول إلى إعصار حاصب لا تقف له قوة في الأرض من صنع البشر , ولا تصده عن التدمير . . يحذرهم وينذرهم في تهديد يرج الأعصاب ويخلخل المفاصل .
(فستعلمون كيف نذير) !!!
ويضرب لهم الأمثلة من واقع البشرية , ومن وقائع الغابرين المكذبين: (ولقد كذب الذين من قبلهم , فكيف كان نكير ?) . .
والنكير الإنكار وما يتبعه من الآثار , ولقد أنكر الله ممن كذبوا قبلهم أن يكذبوا . وهو يسألهم: (فكيف كان نكير ?) وهم يعلمون كيف كان , فقد كانت آثار الدمار والخراب تصف لهم كيف كان هذا النكير ! وكيف كان ما أعقبه من تدمير !
والأمان الذي ينكره الله على الناس , هو الأمان الذي يوحي بالغفلة عن الله وقدرته وقدره , وليس هو الاطمئنان إلى الله ورعايته ورحمته . فهذا غير ذاك . فالمؤمن يطمئن إلى ربه , ويرجو رحمته وفضله . ولكن هذا لا يقوده إلى الغفلة والنسيان والانغمار في غمرة الأرض ومتاعها , إنما يدعوه إلى التطلع الدائم , والحياء من الله , والحذر من غضبه , والتوقي من المخبوء في قدره , مع الإخبات والاطمئنان .