والقرآن يعني بتقرير هذه الحقيقة في الضمير . لأن استقرارها فيه ينشئ له إدراكا صحيحا للأمور . فوق ما يودعه هناك من يقظة وحساسية وتقوى , تناط بها الأمانة التي يحملها المؤمن في هذه الأرض . أمانة العقيدة وأمانة العدالة , وأمانة التجرد لله في العمل والنية . وهو لا يتحقق إلا حين يستيقن القلب أنه هو وما يكمن فيه من سر ونية هو من خلق الله الذي يعلمه الله . وهو اللطيف الخبير . .
عندئذ يتقي المؤمن النية المكنونة , والهاجس الدفين , كما يتقي الحركة المنظورة , والصوت الجهير . وهو يتعامل مع الله الذي يعلم السر والجهر , الله الذي خلق الصدور فهو يعلم ما في الصدور .
الدرس السابع:15 الأرض ذلول مسخرة للإنسان
ثم ينتقل بهم السياق من ذوات أنفسهم التي خلقها الله , إلى الأرض التي خلقها لهم , وذللها وأودعها أسباب الحياة:
(هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا , فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه , وإليه النشور) . .
والناس لطول ألفتهم لحياتهم على هذه الأرض ; وسهولة استقرارهم عليها , وسيرهم فيها , واستغلالهم لتربتها ومائها وهوائها وكنوزها وقواها وأرزاقها جميعا . . ينسون نعمة الله في تذليلها لهم وتسخيرها . والقرآن يذكرهم هذه النعمة الهائلة , ويبصرهم بها , في هذا التعبير الذي يدرك منه كل أحد وكل جيل بقدر ما ينكشف له من علم هذه الأرض الذلول .
والأرض الذلول كانت تعني في أذهان المخاطبين القدامى , هذه الأرض المذللة للسير فيها بالقدم وعلى الدابة , وبالفلك التي تمخر البحار . والمذللة للزرع والجني والحصاد . والمذللة للحياة فيها بما تحويه من هواء وماء وتربة تصلح للزرع والإنبات .
وهي مدلولات مجملة يفصلها العلم - فيما اهتدى إليه حتى اليوم - تفصيلا يمد في مساحة النص القرآني في الإدراك .