(وقيل) لهم توبيخاً وتقريعاً (هذا) المشاهد الحاضر من العذاب هو العذاب (الذي كنتم به تدعون) في الدنيا أي تطلبونه وتستعجلون به استهزاء، على أن معنى تدعون الدعاء قال الفراء: تدعون تفتعلون من
الدعاء أي تتمنون وتسألون، وبهذا قال الأكثر من المفسرين، وقال الزجاج: تدعون الأباطيل والأحاديث. وقيل معنى تدعون تكذبون، هذا على قراءة الجمهور تدعون بالتشديد فهو إما من الدعاء كما قال الأكثر أو من الدعوى كما قال الزجاج ومن وافقه.
والمعنى أنهم كانوا يدعون أنه لا بعث ولا حشر ولا جنة ولا نار، وقرئ تدعون مخففاً ومعناها ظاهر وهي مؤيدة للقول بأنها من الدعاء، قال قتادة: هو قولهم (رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا) وقال الضحاك: هو قولهم (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء) الآية، قال النحاس تدَّعون وتدعون بمعنى واحد كما تقول قدر واقتدر، وغدى واغتدى، إلا أن افتعل معناه مضى شيئاً بعد شيء وفعل يقع على القليل والكثير.
(قل أرأيتم إن أهلكني الله) بموت أو قتل كقوله وإن أمرؤ هلك أو بالعذاب (ومن معي) من المؤمنين (أو رحمنا) بتأخير ذلك إلى أجل أو لم يعذبنا (فمن يجير الكافرين من عذاب أليم) أي فمن يمنعهم ويؤمنهم من العذاب. والمعنى أنه لا ينجيهم من ذلك أحد سواء أهلك الله رسوله والمؤمنين معه كما كان الكفار يتمنونه أو أمهلهم.
وقيل المعنى إنا مع إيماننا بين الخوف والرجاء. فمن يجيركم مع كفركم من العذاب، ووضع الظاهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالكفر وبيان أنه السبب في عدم نجاتهم. وتعليل نفي الإجارة به؛ وأرأيتم بمعنى أخبروني كما ذكره بعض المفسرين وأنها إذا كانت كذلك تنصب مفعولين الأول مفرد والثاني جملة استفهامية ولا شيء منهما هنا؛ فكأن الجملة الشرطية سدت مسد الفعولين.