وذلك أن موسى عليه السلام لما غلب السحرة آمنت به فلما تبين لفرعون إيمانها أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد وألقاها في الشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة، وفي القصة أن فرعون أمر بصخرة عظيمة لتلقى عليها فلما أتوها بالصخرة قالت: {رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ} فأبصرته من مرمرة بيضاء فانتزعت روحها فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه ولم تجد ألماً، وقال الحسن وابن كيسان: رفع الله تعالى امرأة فرعون إلى الجنة فهي فيها تأكل وتشرب.
قوله تعالى: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ}
عطف على امرأة فرعون تسلية للأرامل {الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} أي: عفت عن السوء وجميع مقدماته، كانت كالحصن العظيم المانع من العدو فاستمرت على حالها إلى الممات فزوجها الله تعالى في الجنة جزاء لها بخير خلقه محمد صلى الله عليه وسلم وقال بعض المفسرين: أراد بالفرج هنا الجيب لقوله تعالى: {فَنَفَخْنَا} ، أي: بما لنا من العظمة بواسطة ملكنا جبريل عليه السلام {فِيهِ} ، أي: في جيب درعها.
قال البقاعي: أو في فرجها الحقيقي، وعلى هذا فلا حاجة إلى التأويل {مِن رُّوحِنَا} ، أي: من روح خلقناه بلا تواسط أصل وهو روح عيسى عليه السلام {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبَّهَا} ، أي: المحسن إليها واختلف في تلك الكلمات فقال: مقاتل يعني بالكلمات عيسى وأنه نبيّ وعيسى كلمة الله وقال البغوي: يعني الشرائع التي شرعها الله تعالى للعباد بكلماته المنزلة، وقيل: هي قول جبريل عليه السلام لها {إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ} (مريم: 19) الآية، وعلى كل قول استحقت أن تسمى لذلك صديقة، وقرأ: {وَكُتُبِهِ} أبو عمرو وحفص بضم الكاف والتاء جمعاً، والباقون بكسر الكاف وفتح التاء وبعدها ألف إفراداً والمراد منه الكثرة فالمراد به الجنس فيكون في معنى كل كتاب أنزله الله تعالى على ولدها أو غيره.