ثم دلل على مالكيته مرة ثانية فقال: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ قال النسفي: (أي: يدخل الليل في النهار، بأن ينقص من الليل ويزيد من النهار، ويدخل النهار في الليل بأن ينقص من النهار ويزيد من الليل) وكل ذلك على أدق ما يكون وبما يحقق لمجموع سكان الكرة الأرضية من المصالح ما لا يحاط به. قال ابن كثير: (أي: هو المتصرف في الخلق، يقلب الليل والنهار، ويقدر هما بحكمته كما يشاء، فتارة يطول الليل ويقصر النهار، وتارة بالعكس، وتارة يتركهما معتدلين، وتارة يكون الفصل شتاء ثم ربيعا ثم صيفا ثم خريفا وكل ذلك بحكمته وتقديره لما يريده بخلقه) وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي: يعلم السرائر وإن دقت وإن خفيت، ومن كان هذا شأنه فلا شك أن مرجع الأمور كلها إليه سبحانه، وبهذا انتهت المقدمة بعد أن دللت على مالكية الله للأشياء كلها، وعلى إحاطة قدرته وعلمه، وعلى قدمه وبقائه، وعلى ظهوره وبطونه، وعلى أنه وحده المتصرف، وأن مرجع الأمور إليه، وقدم لذلك بذكر تسبيح الأشياء له وأنه العزيز الحكيم وهذا كله يأتي كمقدمة للسورة
التي تأمر بالإيمان بالله ورسوله وتأمر بالإنفاق.
كلمة في السياق:
1 -إن الإيمان بالغيب عليه مدار الإسلام كله، والإيمان بالله هو مرتكز الإيمان بالغيب؛ فمنه يتفرع الإيمان بالرسل، وعن الإيمان بالله والرسل يتفرع الإيمان بالملائكة الذين هم الواسطة بين الله والرسل، وعن الإيمان بالله يتفرع الإيمان باليوم الآخر والقدر، وعن الإيمان بالله والرسل يتفرع الإيمان بالكتب، ومن ثم نلاحظ أن السورة قدمت بالتعريف على الله وصفاته.
2 -سيأتي بعد هذه المقدمة مباشرة أمر بالإيمان بالله والرسول والإنفاق، مما يشير إلى أن المقدمة ذكرت الأساس الذي يقوم عليه الإيمان بالله والرسول والإنفاق،
فإنفاق المسلم أثر عن إيمانه بمالكية الله للأشياء كلها، ومن ثم فهو يتصرف في المال بما يتفق وأمر الله - عزّ وجل - الذي هو المالك الأصيل.
3 -وصفت مقدمة سورة البقرة المتقين بأنهم: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ.