قال ابن جرير: العرب تتبع هذه اللفظة {الكريم} في النفي، فيقولون: هذا الطعام ليس بطيب ولا كريم، وهذا اللحم ليس بسمين ولا كريم، وهذه الدار ليست بواسعة ولا كريمة، اهـ. وذكر السموم الذي هو الريح المتعفن يتحرك من جانب إلى جانب، فإذا شم الإنسان منه يفسد قلبه بسبب العفونة، بقتل الإنسان. والحميم: الذي هو الماء الحار، ولم يذكر النار إشارة بالأدنى إلى الأعلى؛ فإن هواءهم إذا كان سمومًا، وماءهم الذي يستغيثون به حميمًا، مع أن الهواء والماء من أبرد الأشياء وأنفعها، فما ظنك بنارهم؟ فكأنه قال: إن أبرد الأشياء لديهم أحرها، فما بالك بحالهم مع أحرها؟ ونحو الآية قوله تعالى: {انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (29) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (30) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (31) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (33) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (34) } .
والخلاصة: أنَّ السموم تضربهم فيعطشون، وتلتهب تارةً أجشاؤهم فيشربون الماء فيقطع أمعاءهم، ويريدون الاستظلال بظل فيكون ظل اليحموم.
45 -ثم ذكر سبحانه أعمالهم التي استحقوا بها هذا العذاب. فقال: {إِنَّهُمْ} ؛ أي: إن أصحاب الشمال {كَانُوا} في الدنيا {قَبْلَ ذَلِكَ} ؛ أي: قبل ما ذكر من سوء العذاب النازل بهم {مُتْرَفِينَ} أي: منعمين بأنواع النعم من المآكل، والمشارب، والمساكن الطيبة، والمقامات الكريمة، منهمكين في الشهوات. فلا جرم عذبوا بنقائضها. يقال: ترف كفرح، تنعم وأترفته النعمة أطغته وأنعمته، والمترف كمكرم المتروك يصنع ما يشاء فلا يمنع، كما في"القاموس". وهذه الجملة تعليل لما قبلها