قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"ذهب جمهور العلماء إلى أنه إنما أمر العباد بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم، وأن فعل المأمور به مصلحة عامة لمن فعله، وأن إرسال الرسل مصلحة عامة، وإن كان فيه ضرر على بعض الناس لمعصيته، فـ (( إن الله كتب في كتاب فهو عنده موضوع فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي ) )، فهم يقولون: فعل المأمور به وترك المنهيّ عنه مصلحة لكل فاعل وتارك، وأما نفس الأمر وإرسال الرسل فمصلحة عامة للعباد، وإن تضمّن شراً لبعضهم، وهكذا سائر ما يقدّره الله تغلب فيه المصلحة والرحمة والمنفعة، وإن كان في ضمن ذلك ضرر لبعض الناس، فلله في ذلك حكمة أخرى. ويقولون: وإن كان في بعض ما يخلقه ما فيه ضرر لبعض الناس، أو هو سبب ضرر كالذنوب، فلا بدّ في كل ذلك من حكمة ومصلحة لأجلها خلقها الله، وقد غلبت رحمته غضبه".
ج - الاستطاعة:
وقول أهل السنة فيها التفصيل:
1 -هناك استطاعة للعبد بمعنى الصحة والوسع، والتمكّن وسلامة الآلات، وهي التي تكون مناط الأمر والنهي، وهي المصلحة للفعل، فهذه لا يجب أن تقارن الفعل، بل قد تكون قبله متقدمة عليه، وهذه الاستطاعة المتقدمة صالحة للضدين، ومثال هذه الاستطاعة قوله تعالى: {وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران:97] ، فهذه الاستطاعة قبل الفعل، ولو لم تكن إلاّ مع الفعل لما وجب الحج إلاّ على من حجّ، ولا عصى أحدٌ بترك الحج، ولا كان الحج واجباً على أحد قبل الإحرام، بل قبل فراغه، ومن أمثلتها قوله تعالى: {فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] . فأمر بالتقوى بمقدار الاستطاعة، ولو أراد الاستطاعة المقارنة لما وجب على أحدٍ من التقوى إلاّ ما فعل فقط؛ إذ هو الذي قارنته تلك الاستطاعة.
وهذه الاستطاعة هي مناط الأمر والنهي، والثواب والعقاب، وعليها يتكلم الفقهاء، وهي الغالبة في عُرف الناس.